«أحببتها»، و«أغنية المُحتَرِسة»، و«تعال يا مطر»، و«أحلم بناعومي» ليست سوى غيض من نحو 500 أغنية كتبتها هذه المبدعة التي توقفت حياتها وهي في السادسة والثلاثين.
ترتسا أَتَر: حياة وإبداع
أكاد أجزم بأنكم، قبل أن تبلغوا نهاية هذه الحكاية، ستدندنون واحدة من أغنياتها على الأقل، وستعلق أغنية أخرى في أذهانكم لأيام عدة. هذه المبدعة الرائعة مسؤولة عن أغنيات شهيرة أدّاها كثير من المغنين، مثل شلومو أرتسي الذي اشتهر بفضل أغنيتها «أحببتها»، وأريك أينشتاين بأغنيته «صباح السبت». صحيح أن الأغنيات اشتهرت بفضل مؤديها، لكن ترتسا أتر هي التي كتبتها جميعًا.
اختارت اسم العائلة أتر لأنها أرادت أن تشتهر وتُقدَّر لذاتها، لا لأنها ابنة الممثلة الشهيرة والشاعر المعروف. ورثت موهبة الكلام والتمثيل عن أمها، والكتابة عن أبيها. كان بوسعها أن تكون ما تشاء، لكن كل شيء انقطع فجأة: «عُثر على الشاعرة ترتسا أتر، 36 عامًا، صباحًا بلا حراك، ملقاة في الفناء الخلفي لمنزلها في شارع شمعون هترسي 26 في تل أبيب»، هكذا ورد في صحيفة «هآرتس» في 7 سبتمبر 1977. وقد صدم خبر وفاتها عائلتها وأصدقاءها وعالمي الشعر والتمثيل في البلاد.
وُلدت ترتسا أتر في يناير 1941 في تل أبيب، للشاعر ناتان ألتيرمان والممثلة المسرحية راحيل ماركوس. وُلدت راحيل في مدينة صغيرة في بولندا، في أسرة تقليدية. كان والدها دانيال ماركوس تاجر تبغ ورئيس صندوق التأسيس في بولندا، وخطيبًا مفوهًا من الطراز الرفيع. وصلت عائلة ماركوس إلى البلاد في ثلاثينيات القرن العشرين واستقرت في الخضيرة. ومن الخضيرة سافرت راحيل إلى فيينا لتدرس التمثيل على يد أسطورة المسرح ماكس راينهارت، وبحلول عام 1947 كانت قد بدأت التمثيل في مسرح «هكاميري». وفي مقهى «ثلج لبنان»، حيث كان يجتمع أهل البوهيمية في تل أبيب، التقت ناتان ألتيرمان، الذي جعلها السيدة ألتيرمان في أغسطس 1934. وبعد ست سنوات وُلدت ترتسا، ابنتهما الوحيدة. وُلد ناتان ألتيرمان في وارسو لأم طبيبة أسنان وأب يعمل في مجال التربية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وبعد أن أنهى دراسته في باريس، هاجر إلى البلاد وعمل في الكتابة. كان صحفيًا وكاتبًا مسرحيًا، ومن أبرز شعراء العبرية. ظل متزوجًا من راحيل ماركوس حتى يوم وفاته، لكنه أقام في الوقت نفسه علاقة غرامية طويلة مع الرسامة تسيلة بيندر.
كانت ترتسا أتر في السادسة والثلاثين حين سقطت من الشرفة. وقد حوى فصل حياتها القصير ما يعادل عمرًا مضاعفًا. كشفت عن موهبتها الغنائية في فرقة مدرعات الجيش، حين غنت أغنية «إليفاليت» التي كتبها أبوها خصيصًا للفرقة وأهداها إلى ابنته. وبعد أن سُرّحت من الخدمة عام 1960، تزوجت عوديد كوتلر، وسافرا معًا إلى الولايات المتحدة لدراسة التمثيل. لم تكن الحياة في الولايات المتحدة سهلة عليها. وفي إحدى المرات، حين انكسرت، سافر أبوها ليعيدها إلى البلاد، وكتب لها «أغنية الحراسة» («احفظي نفسك»):
«احفظي نفسك، واحفظي قوتك، احفظي نفسك، / احفظي حياتك وحكمتك، احفظي حياتك، / من جدار ينهار، ومن سقف تشتعل فيه النار، ومن ظل مظلم، / من حجر مقذوف، ومن سكين، ومن مخالب...»
وأجابته هي بـ«أغنية المُحتَرِسة»:
«أحترس من الأشياء الساقطة. / من النار، ومن الريح، ومن الأغنيات. / تضرب شتى أنواع الرياح مصاريع النوافذ. / وتتحدث شتى أنواع الطيور. / لكنني أحفظ نفسي منها. كما أنني لا أبكي. / أتذكر أنك طلبت مني أن أكون مباركة...» في السادسة والعشرين، كانت ترتسا قد راكمت خبرة مميزة ممثلةً وشاعرةً ومغنيةً. ومع الاستعدادات للبرنامج العشرين لفرقة «ناحال»، تواصل معها يائير روزنبلوم، المدير الموسيقي للفرقة، وطلب منها أغنية. فكتبت ترتسا أغنية «تعال يا مطر»:
«يا مطر، يا مطر، تعال، / يا مطر، يا مطر، عُد، / لقد حل الربيع، والتلال كلها خضراء متوهجة. / يا مطر، يا مطر، تعال، / يا مطر، يا مطر، عُد، / عُد سريعًا يا مطر من الغابات البعيدة...»
وتحاور هذه الأغنية أيضًا أغنية أبيها «على الطريق العام»:
«على الطريق العام سنقابل مجددًا فتياتٍ، وستتمايل شعورهن المبللة بهدوء فوق أكتافنا، مجعّدةً ورائعةً...»
في مارس 1970 توفي أبوها، الذي كانت مرتبطة به بكل ذرة في روحها. وبعد وفاته اختارت أربعين من قصائده وأصدرت مجموعة شعرية بعنوان «ناتان ألتيرمان». تتناول ثلاثون قصيدة منها العلاقة بين الأب وابنته. وبعد فترة وجيزة، احتلت أغنيتها «أحببتها» (ألحان يعقوب هولندر)، بصوت شلومو أرتسي، المركز الأول في مهرجان الأغنية واللحن.
نشأت ترتسا بين امرأتين: أمها راحيل وجدتها بيلا، أم ناتان. وكتبت عن غياب أبيها عن المنزل في قصة «شجرة البرقوق» (في مجموعة «فجأة انطفأت كل الأنوار»): «استولى عليّ الرعب. أين أبي؟ لطالما خفت أن الناس لن يعودوا أبدًا». وتصف كيف كانت، طفلةً، تتوق إلى قربه، وكيف انتظرته ذات مرة صباحًا كاملًا في المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، وحين وصل أعادها إلى البيت.
كتبت عشرة كتب للأطفال وترجمت أكثر من 30 مسرحية. وأهدت اثنين من دواوينها إلى طفليها ياعيل وناتان، الذي سُمّي تيمنًا بوالدها، وأنجبتهما من زواجها الثاني ببنيامين سلور (بن츠). كان بنيامين نقيض أبيها تمامًا. كان عاملًا في تجهيز خشبة المسرح أتاح لها حياة هادئة كانت بحاجة إليها. كانت تلك سنوات طيبة أصبحت فيها أمًا، واعتزلت المسرح وكرست نفسها للكتابة. جعلت ياعيل بطلة كتابها «ياعيل تتنزه»، وكان ناتان، الذي لُقّب بنوني، بطل كتاب «نوني، نوني، لا مثيل لي» وكتاب «قصيدة غنائية عن فتاي الذي كبر».
استُلهمت أفكار بعض أعمالها من أحداث وقعت في البيت، كما روى ابنها ناتان: «كانت تسألني كل مساء قبل النوم: أي أغنية تريدني أن أكتبها لك اليوم؟ وكنت أتحداها. طلبت أغنيات عن جرار، وأغنية عن أكورديون، وأغنية عن عيد ميلاد، وأغنية عن شاطئ البحر... وفي تلك اللحظة كانت تكتب الأغنيات، أي تكتبها في الحال ثم تذهب فورًا لتطبعها. وحين صار لديها عدد كافٍ من الأغنيات، أصدرت كتاب «نوني، لا مثيل لي»، وهو كتاب عني، أما «الأسد الذي أحب الفراولة» فمن كتاب «ياعيل تتنزه». إنه كتاب عن أختي. وبدأ كل شيء حين أثارت ياعيل المشكلات على مائدة العشاء، ولم ترد هذا ولا ذاك».
الموت والأغنية الأخيرة
لا تزال ملابسات وفاة ترتسا أتر لغزًا، لكن عائلتها على يقين بأنها سقطت من الشرفة. في اليوم السابق لوفاتها، أصيبت ترتسا في حادث سير وجُرحت عيناها، ثم خرجت من المستشفى بعد إقامة قصيرة وعادت إلى منزلها. وأخبر زوجها مراسل صحيفة «هآرتس» أنها تركت له في مساء اليوم السابق لوفاتها ورقة كتبت فيها أنها متعبة وستذهب للنوم. وطلبت منه في الورقة أيضًا أن يحرص صباحًا على إرسال طفليهما، وكانا آنذاك في الصفين الرابع والأول، إلى المدرسة. وأضاف أنها خرجت من غرفة نومهما قرابة الساعة 07:00، ونظرت إلى الأطفال وهم يستعدون للذهاب إلى المدرسة، ثم عادت إلى غرفتها.
يرى بعضهم أنها انتحرت، مستندين إلى تزامن بعض الوقائع. فقبل وفاتها مباشرة، ترجمت ترتسا أتر قصيدة «خشخاش في أكتوبر» للشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، التي تبدأ بهذه الأبيات: «حتى غيوم الشمس لا تستطيع أن تطغى على تلك الأثواب / ولا تلك المرأة في سيارة الإسعاف / التي يتفتح قلبها من خلال معطفها بدهشة مدوية كهذه...»
وفي تلك الفترة كتبت آخر قصائدها، «قصيدة عن امرأة»، التي كُتبت لمسرحية «أربع نساء» وتتناول... وقد سلّمت كلمات القصيدة إلى الملحن موشيه فيلنسكي، وكان من المفترض أن يغنيها شاشي كيشيت. وفي صباح اليوم الذي سلّم فيه فيلنسكي الأغنية بعد تلحينها إلى مسرح «هبيما»، لم تكن ترتسا أتر على قيد الحياة. وتبدأ الأغنية، التي تتحاور مع قصيدة سيلفيا بلاث، بالأبيات التالية: «حتى غيوم الأعالي لم تُطِق صمتها،
ظلت تنظر بلا اكتفاء، تنظر وتعرف / أن شتّى زنابق البرّ تُزهر الآن في الوادي / ورغم كل شيء، رغم كل شيء، انتهى كل شيء. / حتى غيوم أكتوبر الأرجوانية قبالة الغروب، / لم تساعدها ولو لحظة، ولم تساعدها على أن تهدأ، / رغم أن شتّى زنابق البرّ أزهرت مجددًا في الوادي / ورغم كل شيء، رغم كل شيء، انتهى كل شيء...»
تأثرت ترتسا أتر كثيرًا بسيلفيا بلاث، التي كانت هي الأخرى أمًا لطفلين وانتحرت في لندن عام 1963. وحتى اليوم لا توجد إجابة واضحة عن سؤال ما إذا كان ما حدث حادثًا أم انتحارًا. والشيء الوحيد الواضح هو أننا فقدنا مبدعة موهوبة في أوج عطائها.





תגובות
עדיין אין תגובות.