لدى البريطانيين إيان فليمنغ، الذي كتب سلسلة جيمس بوند، العميل في خدمة جلالة الملكة، أما نحن فلنا عميل كتب كتب تجسس وإثارة لجيل كامل من الأطفال، وهناك من يقول إنه أقام علاقة غرامية مع مارلين مونرو.

حسمبا والشهرة

يارون زهفي القائد، وتمار نائبة القائد، ويرحميئيل ذو النظارات، خبير علم النبات، ومنشيه اليمني، خبير التصوير، وعوزي النحيل، وإيهود البدين، وشولاميت المسعفة، ورفائيل كدوري العالم ومشغّل جهاز اللاسلكي، وداني النعسان - كلهم أعضاء جماعة حَسَمباه (جماعة السرّ المطلق تمامًا). كان مقرهم داخل كهف كهربائي يقع في أعماق الأرض، ومجهز بمنظومة اتصالات متطورة ابتكرتها الجماعة، وبمساعدتها تعقبت المجرمين الشبان الذين عجزت الشرطة عن القبض عليهم. صدر الكتاب الأول عن جماعة حَسَمباه عام 1950، وكتب موسينزون في السلسلة 44 كتابا إجمالا.

بدأ كل شيء بوعد قطعه يغال موسينزون لابنه عيدو، بأنه سيكتب له قصة بدلا من أن يشتري له كتب طرزان. سقط عيدو في يوم الغفران، خلال المعارك على مرتفعات الجولان، وعزّى يغال نفسه قائلا: «حين أنظر إلى صورة عيدو، لن أراه أبدا شيخا». وكتب له الصبي غاي بينس، الذي كان يبلغ آنذاك عشر سنوات: «إلى يغال موسينزون، تحية طيبة، نحن نعد الأيام واحدا تلو الآخر، وننتظر بفارغ الصبر كتابك القادم. الموقّع: غاي بينس، شارع بني دان 102، حي بَبلي، تل أبيب». وكانت رسائل من هذا النوع تسعد يغال كثيرا، إذ كان يحب الأطفال جدا.

بعد وقت قصير من القبض على أدولف أيخمان، ساد شعور بأن من الممكن بالفعل إلقاء القبض على مجرمي النازية وتقديمهم إلى العدالة. توجه إليه آنذاك رجل الموساد تسفي ألدوبي، وأخبره بمبادرة للقبض على مجرم النازية ليون ديغريل، زعيم الحزب النازي في بلجيكا خلال الحرب العالمية الثانية، والذي كان يقيم في إشبيلية بإسبانيا، والتحقيق معه ونقله إلى فرنسا أو بلجيكا لمحاكمته. وكان التقدير أن القبض على ديغريل قد يتيح العثور على مكان وجود الزعيم النازي مارتن بورمان، الذي كان نائب هتلر. شارك في العملية إسرائيليون وأمريكيون وصلوا إلى إشبيلية في صيف 1961. تمثلت مهمة يغال في الإبلاغ عن العملية بعد انتهائها، لكنه لم يكن يعلم أنها مبادرة خاصة، وكان واثقا من أنه يعمل في خدمة الموساد. وفي إحدى الأمسيات، أمضى موسينزون بعض الوقت في حانة محلية، وبعد بضعة كؤوس من النبيذ، وأمام أحد السكارى الإسبان، بدأ يتحدث بلا تحفظ، فألقي القبض على أفراد المجموعة، واستجوبوا وسجنوا. وخلال التحقيق، سئل يغال إن كان يعرف أحدا من السكان المحليين، فأجاب: «نعم، بالتأكيد، الحلاق في إشبيلية». وكان بن غوريون، الذي كان يحب موسينزون، قد استخدم علاقاته وتحدث إلى الجنرال فرانكو، الذي كان يحكم إسبانيا في تلك الأيام، وخلال 48 ساعة أُفرج عن يغال. بقي ديغريل طليقا في إسبانيا، وعاش فيها حتى وفاته في أبريل 1994، قبل وفاة موسينزون بشهر واحد.

جذور العائلة

تبدأ حكاية عائلة موسينزون بزلمن زومر، الذي وقع في حب ابنة الحاخام وطُرد من اليشيفا. أخذ زلمن يتنقل في أنحاء روسيا حتى وصل إلى أوكرانيا، حيث التقى فتاة من عائلة ثرية اسمها دبورا. في البداية، لم يفعل سوى تعليمها العبرية، لكنهما تزوجا على عجل بعد أن وقعا في الحب، رغم معارضة والديها. وفي عام 1905 ولد ابنهما البكر إسرائيل، وبعد خمس سنوات ولد ابنهما موشيه. وكان زلمن قد دخل في مشكلات مع القانون في روسيا، فهرب إلى إسرائيل مع أسرته وغيّر اسمه إلى آشر موسينزون.

كان أبناء الهجرة الثانية، الذين عملوا في مزارع مزارعي الهجرة الأولى، يحلمون بإقامة مستوطنة تعاونية يكونون فيها أسياد أنفسهم. وفي عام 1908 حققوا حلمهم وأسسوا «عين غانيم»، أول مستوطنة للعمال (وهي اليوم شارع في بيتح تكفا). وقد أرادوا في رؤيتهم أن يمارسوا الزراعة باستقلال، لا تحت إمرة الآخرين، وأن تكون العبرية اللغة المتداولة في أرجاء المستوطنة. وسرعان ما أصبح المكان مركزا أيديولوجيا لزعماء الحركة العمالية، وأقام فيه شموئيل ديان (والد موشيه ديان)، وحاييم برنر، وبن غوريون، وآخرون.

وصل آشر وأسرته إلى عين غانيم، حيث عمل آشر مربي أبقار ومعلما. وصادقت دبورا أ. د. غوردون وحاييم برنر، وكانت من واضعي نظام صندوق المرضى. وبعد وقت غير طويل، ماتت بالملاريا، فغرق آشر في اكتئاب عميق. وبعد سنة ونصف، عُرضت على آشر فتاة فائقة الجمال والموهبة ومن عائلة ثرية، وكان اسمها أيضا دبورا (وصاروا يسمونها من حينها دبورا الثانية). وما لبثت هذه الدبورا أن أبعدت إسرائيل وموشيه، ابني آشر، عن البيت، وأنجبت يغال عام 1917. وبعد الولادة مباشرة، غرقت دبورا الثانية في الاكتئاب، وسافرت مع ابنها يغال إلى فيينا، إلى عيادة سيغموند فرويد. وفي فيينا، حضرت الحفلات، مرتدية فساتين فاخرة، وصادقت مدرّس كمان، وكأن الاكتئاب لم يكن... إلى أن أبلغها والداها بأنهما سيوقفان إرسال المال، وأن عليها العودة إلى البلاد.

كان آشر يحبها كثيرا، ففرح حين تلقى برقية من دبورا الثانية تخبره فيها بأنها عائدة إلى البلاد. لكن سرعان ما وصله خبر وقوع كارثة مروعة، إذ احترقت السفينة وقضى جميع ركابها. لم يحتمل آشر ذلك، فقفز من سطح مبنى اللجنة. ولم تنجح محاولة انتحاره، لكنه كسر ساقيه فحسب. وبينما كان راقدا في المستشفى، علم أن دبورا وابنهما الصغير يغال نجيا بأعجوبة، وهما في طريقهما إلى البيت. انتظرهما آشر على عكازين عند مدخل المنزل، وحين وصلت العربة، نزل منها ابنه يغال، ثم زوجته دبورا الجميلة، ثم... مدرس الكمان... وانتقل المدرس إلى تل أبيب، وأرسلت دبورا ابنها يغال إلى كيبوتس بيت ألفا، وقسمت وقتها بين عين غانيم وتل أبيب.

كان آشر يحلم بأن يصبح كاتبا، وقد نقل شغفه بالكتابة إلى الأجيال التالية. انشغل ابناه موشيه ويغال بالكتابة، وكان عاموس موسينزون (الابن البكر لإسرائيل) كاتب مسرحيات، والكاتبة دبورا عومر هي الابنة البكر لموشيه، وقد سميت باسم جدتها، أما أختها فهي الشاعرة والإعلانية فيرد موسينزون.

تزوج يغال موسينزون أربع مرات، وكما قال صديقه: كلما تزوج فتاة طلقها أيضا. ذاع صيت يغال بوصفه رجلا كانت كل أم في إسرائيل تقول في نفسها: «لا سمح الله، أرجو فقط ألا تقع ابنتي الرائعة في شباكه، لا بأس بي أنا، لكن ابنتي؟ لا سمح الله». وقالت ابنة نهلال، روت شوارتس (التي أصبحت لاحقا دايان): «الرجل الوحيد الذي حاول التودد إليّ في الماضي البعيد، وكانت لديه فرصة لمنافسة موشيه، هو يغال موسينزون. وما زال مدينا لي بكتاب من تلك الفترة».

الإبداع والميراث

تلقى يغال تعليمه في بيت ألفا، وكتب قصته الأولى وهو في التاسعة من عمره. وفي عام 1938، وكان في العشرين، انضم إلى كيبوتس ناعان مقتفيا أثر أخيه موشيه، وعمل هناك، ضمن أمور أخرى، في قطع الصخور. وفي أحد الأيام أصيب، فسافر لتلقي العلاج في تل أبيب. وفي طريقه مر على الكاتب إبراهيم شلونسكي، الذي كان يغال معجبا به، وترك لديه مخطوطة قصته الأولى «ليلة الحر الشديد». أعجب إبراهيم شلونسكي بالقصة، ونشرت في الأسبوع نفسه في صفحة الأدب بصحيفة «عل همشمار». وفي عام 1943، خدم يغال حارسا في البلماح، بل واحتجز في معسكر الاعتقال البريطاني في اللطرون. وخلال حرب الاستقلال، خدم ضابطا ثقافيا في لواء غفعاتي.

حين بدأ بنشر أجزاء من روايته الثانية «درب الرجل»، وهي رواية تصف حياة الكيبوتس بصورة فاضحة بمعايير ذلك الزمن، طالبه أعضاء الكيبوتس بوقف نشرها وطيّ صفحتها. رفض يغال، وفي عام 1950، بعد أن أمضى 12 عاما في الكيبوتس، انتقل إلى بيت شعاريم وعمل هناك في الزراعة. ثم انتقل إلى تل أبيب واستأجر غرفة في شقة، وبدأ فيها كتابة سلسلة «حَسَمباه». أطلق على بطل السلسلة اسم يارون تيمنا بابن صاحب الشقة التي كان يسكن فيها، والذي توطدت علاقته به - ونعم، سمي بطل السلسلة على اسم يارون لندن. وأوصى عاموس بن غوريون (ابن دافيد بن غوريون) به لدى يحزقيل ساهار، المفتش العام للشرطة آنذاك، فعين موسينزون متحدثا باسم شرطة إسرائيل. وكشفت له الوظيفة في الشرطة عالما كاملا شكل خلفية لكتابة مسرحيتي «كازابلان» و«إلدورادو». تناولت هاتان المسرحيتان الفجوة بين الطوائف والفجوة الطبقية، في وقت كان فيه الحديث عن هاتين المسألتين من المحرمات. وبعد انتهاء عمله في الشرطة، عمل متحدثا باسم مسرح «هبيما»، حيث عرضت مسرحيته «في سهوب النقب» وحققت نجاحا هائلا.

في عام 1957، تحلى يغال موسينزون بالشجاعة وأنشأ مسرح «سدان»، لكنه أخفق وتراكمت عليه ديون كبيرة، فانتقل يغال إلى الولايات المتحدة بهدف كسب المال وسداد الديون. عمل مدرسا للأدب في جامعة بنسلفانيا، وعمل أساسا عاملا في البناء، وهناك أيضا أُلصقت به حكاية علاقة غرامية مع مارلين مونرو. وأتاح له الهدوء من حوله أن يكتب العمل الذي وصفه بأنه الأفضل لديه، «يهوذا الإسخريوطي». وبعد ثماني سنوات طويلة، عاد إلى البلاد، بعدما قال لاحقا: «لا شيء أفظع وأقسى من الحنين إلى الوطن»، وحوّل حَسَمباه إلى واحدة من أطول سلاسل الكتب وأكثرها استمرارا في العالم.

كان شغفه بالإبداع متأججا فيه في مجال العلوم أيضا. فقد كان يتوق إلى ابتكار الأشياء، وسجل براءة اختراع لبعضها، كما حصل على ميزانية لفكرته الرامية إلى تسخير أمواج البحر لإنتاج الطاقة الكهربائية. وشملت أفكاره أيضا نظامًا فعّالًا لركن السيارات، وجهازا لتنظيف الأرصفة، ومحطة لتحلية المياه.

توفي يغال موسينزون إثر سكتة قلبية عن عمر 77 عاما، ودُفن في مقبرة يركون. ووُضعت على المنزل الذي أقام فيه، في شارع سوكولوف 61 في تل أبيب، لافتة تخبر المارة أن الكاتب يغال موسينزون عاش في هذا البيت. وسميت باسمه ساحة في حيفا، وحديقة في هرتسليا، وشوارع في تل أبيب وأور عكيفا وريشون لتسيون ونتانيا وبيتح تكفا وغيرها. وبعد سنوات من وفاته، عُرضت مسرحياته على مسارح البلاد، وما زالت سلسلة حَسَمباه تشعل خيال الشباب، وقد تحول جزء منها إلى مسلسل تلفزيوني.

صور من القصة: יגאל מוסינזון
בית העלמין ירקון, מקום קבורתו של יגאל מוסינזוןצילום: DGtal, CC BY-SA 4.0, ויקישיתוף