عالمة الرياضيات والفيزياء الإسرائيلية التي أصبحت آخر مساعدة بحثية لألبرت أينشتاين، وشريكة لارس أونساغر في حل إحدى أعقد مسائل الفيزياء الإحصائية، وشخصية محورية في بناء البنية التحتية العلمية لدولة إسرائيل الفتية.

عام أينشتاين العجيب

كان عام 1905 عامًا مثيرًا على نحو استثنائي بالنسبة إلى مجتمع الفيزيائيين، حتى إنهم منحوه اللقب المشرّف «عام المعجزات» (Annus Mirabilis). في ذلك الوقت، كان ألبرت أينشتاين، الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين، يعمل موظفًا مبتدئًا في مكتب براءات الاختراع في سويسرا. وعلى الرغم من مكانته المتواضعة، نشر في ذلك العام أربعة أبحاث علمية غيّرت وجه الفيزياء الحديثة تمامًا. تناول أحد أهم هذه الأبحاث «النسبية الخاصة»، وصدر في يونيو 1905.

حتى تلك اللحظة، كان العالم يُرى مكانًا مملًا إلى حد بعيد من الناحية الفيزيائية: فالزمن يمضي بمعدل ثابت وعلى محور واحد فحسب، وكانت الجاذبية تبدو كأنها مغناطيس مسطّح وضخم يجذب الأجسام إليه. ثم ظهر أينشتاين وأثبت أن كل ذلك ليس صحيحًا ببساطة. اكتشف أن الزمن الشخصي لك يمر ببطء أكبر كلما تحركت بسرعة أعلى، مقارنة بشخص ثابت في مكانه. كما قرر أن في الطبيعة حدًا مطلقًا لا يستطيع أحد تجاوزه، هو سرعة الضوء. وفي السياق نفسه، وضع الأساس لأشهر معادلة في العالم: E=mc². تخبرنا هذه المعادلة أن الطاقة والمادة وجهان لعملة واحدة في الواقع. فحتى في كمية ضئيلة من المادة تكمن كمية هائلة لا يمكن تصورها من الطاقة.

نظرية النسبية العامة

بعد عشر سنوات، وسّع أينشتاين نظريته لتشمل الجاذبية أيضًا. وفي نوفمبر 1915، عرض المعادلات النهائية لـ«النسبية العامة» أمام الأكاديمية البروسية للعلوم. ومن خلال نظرته المبتكرة إلى المكان والزمان، كشف أن الجاذبية ليست مغناطيسًا، بل إن الكون يعمل على نحو يشبه قطعة مطاط مشدودة.

شرح ذلك بتشبيه بسيط: إذا وضعتم كرة ثقيلة، مثل الشمس، على قطعة القماش، فستُحدث فيها انخفاضًا. وإذا دحرجتم كرة أصغر، مثل الأرض، بالقرب منها، فإنها «ستسقط» في الانخفاض الذي تكوّن وتبدأ بالدوران حول الكرة الثقيلة. يبيّن هذا الوصف أن الجاذبية ليست «قوة جذب» غامضة وغير مرئية، بل هي ببساطة نتيجة لانحناء الأجسام الثقيلة للمكان المحيط بها ماديًا.

إذا تمكنتم من متابعة التفسيرات العلمية حتى الآن، فلعلكم تتساءلون كيف يؤثر ذلك في حياتنا. ستتفاجؤون حين تعرفون أن النسبية لم تغيّر ما يخربشه الفيزيائيون على اللوح فحسب، بل غيّرت العالم الذي نعيش فيه ماديًا، من التكنولوجيا التي نحملها في جيوبنا إلى فهمنا العميق لأصلنا وإلى أين يتجه الكون.

أبرز مثال نواجهه كل يوم هو قدرتنا على الملاحة (GPS). تتحرك الأقمار الاصطناعية في الفضاء بسرعة كبيرة جدًا، وتقع في منطقة تكون فيها الجاذبية أضعف منها على الأرض. ووفقًا لحسابات أينشتاين، تسير ساعات هذه الأقمار أسرع بـ38 ميكروثانية كل يوم مقارنة بالساعات على سطح الأرض. قد يبدو هذا مقدارًا ضئيلًا، لكن لولا التصحيح الرياضي الدقيق المستند إلى نظرية أينشتاين، لأخطأ نظام GPS لديكم بما لا يقل عن 10 كيلومترات في كل يوم!

المثال التالي ربما يكون الأكثر إثارة (والأكثر إثارة للجدل): المعادلة التي كشفت أن كمية صغيرة من المادة تخفي طاقة هائلة. تعتمد قدرتنا على توليد الكهرباء في المفاعلات النووية مباشرة على تحويل الكتلة إلى طاقة. وفي الوقت نفسه، كان تطوير القنبلة الذرية تطبيقًا مباشرًا ومأساويًا، من وجهة نظر أينشتاين، لتلك البصيرة العميقة.

إضافة إلى ذلك، منحتنا النسبية العامة الأدوات اللازمة لفهم الكون على نطاقه الكبير: فالانفجار العظيم - أي التنبؤ بتمدد الكون، الذي يقود إلى استنتاج أن له نقطة بداية - ينبع مباشرة من معادلاته. والثقوب السوداء - تنبأ أينشتاين بوجود أجسام شديدة الكثافة إلى حد أنها تحني المكان بلا حدود، وهو مفهوم انتقل من الخيال العلمي إلى حقيقة مثبتة. وموجات الجاذبية - لم نتمكن من قياس «تموجات» في نسيج الزمكان إلا في الآونة الأخيرة، ما فتح طريقًا جديدًا كليًا لاستكشاف الكون.

كل ذلك حوّل أينشتاين إلى أيقونة ثقافية، وإلى صورة العالم الذي استطاع بقوة التفكير وحدها تغيير قواعد اللعبة في الكون، حتى صار اسمه مرادفًا لعبقرية استثنائية.

الحلم بتوحيد القوى

بعد هذه الإنجازات، بدأ أينشتاين العمل على واحد من «الكؤوس المقدسة» للعلم. قد يبدو الأمر ضربًا من الخيال العلمي، لكنه في الواقع أعظم طموحات الفيزياء الحديثة: نظرية المجال الموحد.

تخيلوا أنكم تدخلون مطبخًا هائلًا وترون فيه الكثير من الأجهزة الكهربائية: يعمل الخلاط بطريقة، والفرن وفق منطق مختلف، أما الثلاجة فتتحدث لغة ثالثة تمامًا. هذا مزعج بعض الشيء، أليس كذلك؟ لعلّكم تودون امتلاك جهاز تحكم منطقي واحد يشرح كيف تعمل كل هذه الأشياء معًا بتناغم. وهذا بالضبط ما حاول أينشتاين أن يفعله مع كوننا.

توجد في الطبيعة أربع قوى أساسية تجري من خلالها الأمور كلها: قوة الجاذبية، وهي ما يبقينا على الأرض ويحافظ على الأرض في مدارها. والقوة الكهرومغناطيسية، المسؤولة عن الكهرباء والمغناطيس والضوء، وكذلك عن عمل هواتفكم. والقوة النووية القوية، وهي «الغراء» الذي يمنع الذرات من التفكك. والقوة النووية الضعيفة، المسؤولة عن ظواهر النشاط الإشعاعي.

لدينا اليوم مجموعتان مختلفتان تمامًا من القوانين لتفسير هذه القوى: للأشياء الكبيرة، مثل النجوم والمجرات، لدينا نظرية أينشتاين النسبية. وللأشياء الصغيرة، مثل الذرات والجسيمات، لدينا ميكانيكا الكم. والمشكلة أنهما ببساطة لا تنسجمان إحداهما مع الأخرى. فعندما نحاول الجمع بينهما رياضيًا، نحصل على نتائج لا منطقية. ونظرية المجال الموحد هي النظرية التي ما زال البحث جاريًا عنها، والتي ستتمكن من توحيد كل هذه القوى تحت سقف واحد، وإثبات أن القوى التي تبدو مختلفة لنا ليست سوى وجوه مختلفة لقوة واحدة، مفردة وموحدة.

كرّس أينشتاين السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته لمحاولة العثور على هذه المعادلة، لكنه لم ينجح. وحتى اليوم، لا يزال الفيزيائيون العاملون في نظرية الأوتار أو الجاذبية الكمومية يحاولون حل هذا اللغز.

إلى جانبه وقفت واحدة من أكثر النساء إبهارًا، وهي بطلة قصتنا، بروريا كوفمان. كان إسهامها حاسمًا في تطوير معادلات المجال غير المتناظر وكتابة الملاحق الرياضية المعقدة. ولو نجح أينشتاين وكوفمان في مهمتهما، لكان أثر ذلك تجسد في توحيد قوتي الجاذبية والكهرومغناطيسية ضمن بنية هندسية واحدة.

وهنا يبرز السؤال مجددًا: كيف يؤثر ذلك فينا؟ إذا عثرنا يومًا على هذه النظرية، فسنتمكن من فهم كيفية نشأة الكون بعمق، أي الانفجار العظيم، وما يحدث حقًا داخل الثقوب السوداء، وربما نتعلم حتى كيفية التحكم بالجاذبية أو التحرك في الفضاء بطرق تبدو مستحيلة في الوقت الراهن. تخيلوا رحلة إلى المريخ في دقائق معدودة، أو الوصول إلى إيلات في أجزاء من الثانية. نعم، يبدو ذلك خياليًا تمامًا في الوقت الحالي، لكن هذا بالضبط ما بدا عليه العالم قبل اكتشافات أينشتاين الثورية.

بروريا كوفمان في برينستون

في عام 1947، وصلت بروريا كوفمان إلى معهد الدراسات المتقدمة في برينستون (IAS). عملت في البداية مساعدةً لجون فون نيومان، لكنها سرعان ما بدأت العمل عن كثب مع ألبرت أينشتاين، في تعاون مثمر استمر حتى وفاته عام 1955. لم يكن دورها إلى جانبه تقنيًا فحسب، بل كانت شريكة فكرية حقيقية وفّرت الإطار الرياضي المعقد لأفكاره.

في إحدى المرات، ظل أينشتاين أسابيع طويلة يكابد صيغة معقدة لم تسفر عن النتيجة المتوقعة. راجعت كوفمان الحسابات، وسرعان ما اكتشفت أن أينشتاين نسي «عاملًا مقداره 2»، وهو خطأ جبري بسيط عرقل البحث كله. وعندما تواصلت بقلق مع أحد مساعديه السابقين، طمأنها موضحًا أن أينشتاين كان بالفعل يميل إلى ارتكاب أخطاء حسابية من هذا النوع. رسّخ هذا الاكتشاف مكانتها بوصفها من تستطيع تحدي أعظم فيزيائي في القرن، بل وتصحيح أخطائه.

شاركت كوفمان أينشتاين في كتابة بحثين علميين، وهو إنجاز نادر واستثنائي، كما أسهمت بملحق رياضي مفصل في الطبعتين الرابعة والخامسة من كتابه الكلاسيكي «معنى النسبية». كان عملها هذا في طليعة الأبحاث الفيزيائية في تلك الفترة، وشكّل ركنًا مهمًا في تطويرها.

عائلة ودراسة واختراق

وُلدت بروريا كوفمان ونشأت في بيئة غمرها العلم العميق والثقافة الغنية والصهيونية المتجذرة. وُلدت في نيويورك في 21 أغسطس 1918، لعائلة يهودية هاجرت من أوكرانيا. كان والداها يهودا كوفمان (إيفن شموئيل) وسارة فرومة من عائلة كروغر. أما والدها، المولود في بالتا، فكان موسوعي المعرفة، درس في المعاهد الدينية والجامعات الأوروبية، حيث اكتسب معرفة واسعة ومبهرة بالفلسفة واللغويات. وبعد هجرته إلى كندا عام 1913، وضع معجمه العبري-الإنجليزي الشهير («قاموس كوفمان») وحرر صحفًا عبرية.

في عام 1926، هاجرت الأسرة إلى أرض إسرائيل تلبية لدعوة صديق والدها المقرب، الشاعر القومي حاييم نحمان بياليك، الذي طلب منه إعداد معجم. وكان يهودا مثقفًا متعدد الاختصاصات، درس القانون واللغويات والتاريخ والفلسفة، وأصبح لاحقًا أول رئيس تحرير للموسوعة العبرية. وبعد عام من الهجرة، وُلد شقيق بروريا، شموئيل، واعتمد يهودا رسميًا اسم إيفن شموئيل. واحتفاءً بولادة شمولك، كتب له بياليك قصيدة إهداء: «أقدم هذه الهدية / للطفل شموئيل آشر / كي يكون يهوديًا / كاملًا ومستقيمًا». واشتهر يهودا في البلاد أساسًا بترجمته الرائعة لـ«كتاب الخزري» وشرحه الضخم لكتاب «دلالة الحائرين» لموسى بن ميمون.

انتقل الإرث من الأب إلى ابنته، جامعًا بين التفكير المنطقي الدقيق الذي ميّز موسى بن ميمون، والشغف المتقد باللغة والعلم. وكان يهودا، الذي تولى أيضًا إدارة قسم الثقافة في اللجنة الوطنية، مقربًا من شخصيات محورية مثل برل كتسنلسون وبياليك. وكان بياليك هو من شارك الابنة الكبرى لحظات عائلية وابتسامة، كما صاغ لها بمودة هذه العبارة المقفاة: «بروريا، بروريا، يا للمصيبة».

درست بروريا في «بيت تعليم أبناء العمال» في تل أبيب، ثم تابعت دراستها في ثانوية هرتسليا. وأظهرت منذ طفولتها موهبة استثنائية، ليس في العلوم وحدها، بل في العزف على البيانو أيضًا. رافقتها الموسيقى بوصفها جزءًا لا يتجزأ من حياتها، ودرست التأليف الموسيقي على يد الملحن ستيفان فولبه. وعندما انتقلت الأسرة إلى القدس، أهدى لها بياليك قصيدة أخرى بمناسبة بلوغها سن التكليف، وصفها فيها بأنها «كمال البراءة والنقاء، ولا نهاية لفتنة صباها».

تشكل الرسائل التي كتبها لها شقيقها شمولك في تلك السنوات سجلًا شيقًا لروح العصر. وخلال أحداث 1936-1939 كتب إليها بحماسة: «يا له من يوم عجيب، لم يُقتل فيه يهودي واحد!». وفي عام 1938، أنهت بروريا دراستها الجامعية الأولى في الرياضيات في الجامعة العبرية، في أيامها الأولى على جبل المشارف.

بعد ثلاث سنوات، في عام 1941، عادت بروريا كوفمان إلى نيويورك لمتابعة دراسات الدكتوراه في جامعة كولومبيا. وفي نهاية العام نفسه، تزوجت اللغوي زيليغ هاريس، الباحث ذائع الصيت عالميًا في جامعة بنسلفانيا وأستاذ نعوم تشومسكي، الذي جحد أستاذه لاحقًا. وكان الزوجان يتشاركان أيديولوجيا صهيونية اشتراكية عميقة. وكان هاريس شخصية محورية في حركة «أفوكا»، التي دعت إلى رؤية للتعايش اليهودي-العربي والمساواة الاجتماعية. وتعاونا معًا في مشاريع اللغويات الرياضية، في محاولة رائدة لتطبيق الصيغ الرياضية على بنية اللغة؛ وهو عمل يشكّل اليوم أساسًا لعالم الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية (NLP).

بعد عام من زواجها، توفيت والدتها فرومة. كانت بروريا آنذاك في الرابعة والعشرين، وكان شمولك في الخامسة عشرة فقط. وبعد عامين، انضم شمولك إلى صفوف البلماح.

في عام 1948، نالت بروريا شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا، وهو إنجاز نادر واستثنائي لامرأة في ذلك الوقت، ولا سيما في مجال شاق كالرياضيات العليا. وفي العام نفسه، وقّعت، إلى جانب شخصيات مثل ألبرت أينشتاين وزوجها زيليغ هاريس وحنا آرندت، رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى صحيفة نيويورك تايمز ضد زيارة مناحيم بيغن إلى الولايات المتحدة، واصفين فيها حركة حيروت بالفاشية.

كان أعظم إنجازاتها العلمية، الذي حققته بالتعاون مع الحائز على جائزة نوبل لارس أونساغر عام 1949، في مجال الفيزياء الإحصائية و«نموذج إيزينغ» (Ising Model). ولتخيّل مدى تعقيد البحث، يمكنكم تصور جمهور في ملعب، يستطيع كل متفرج فيه، ويمثل ذرة، الاختيار بين رفع لافتة «نعم» أو لافتة «لا». يدرس نموذج إيزينغ كيفية نشوء النظام بين الجمهور، ومتى يقرر الجميع فجأة رفع اللافتة نفسها في آن واحد. وبالمصطلحات الفيزيائية، يصف النموذج المغناطيسية: إذ تتصرف كل ذرة في المعدن كعنصر مغناطيسي بالغ الصغر، أي كلف مغزلي. وفي درجات الحرارة المرتفعة، تشير هذه البوصلات إلى كل اتجاه في فوضى تامة، أما عند انخفاض الحرارة إلى ما دون درجة معينة، فإنها «تصطف» معًا ويتحول المعدن إلى مغناطيس. صحيح أن لارس أونساغر حل المسألة في شبكة ثنائية الأبعاد عام 1944، لكن حله كان شديد التعقيد رياضيًا، حتى إن كثيرًا من الفيزيائيين في ذلك الوقت لم يتمكنوا من تطبيقه عمليًا، إلى أن جاء إسهام بروريا كوفمان.

في عام 1949، قدمت بروريا كوفمان حلًا جديدًا وثوريًا لنموذج إيزينغ، اعتمد على أداة رياضية معقدة تُعرف باسم «التحليل السبينوري» (Spinor Analysis). والسبينور كائن رياضي فريد يتمتع بسلوك استثنائي: فبينما تعود الأجسام العادية إلى حالتها الأصلية بعد دوران قدره 360 درجة، تنعكس إشارة السبينور بعد دورة كهذه. ولا يعود إلى حالته الأولى إلا بإكمال دورة مزدوجة مقدارها 720 درجة. وأحسنت كوفمان استغلال هذه الخاصية الرياضية المراوغة لتبسيط حسابات أونساغر المعقدة تبسيطًا جذريًا. جعل اختراقها هذا النموذج متاحًا ومفيدًا للمجتمع العلمي كله، ولا يزال حلها حتى اليوم يُعد من أكثر الإنجازات أناقة وإبهارًا في الفيزياء النظرية.

فقد وكيبوتس ومواصلة الحياة

بالتوازي مع صعودها المهني، عاشت بروريا واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في حياتها وحياة أسرتها، حين سقط شقيقها الأصغر الحبيب، شمولك.

ارتبطت المأساة على نحو يبعث على القشعريرة بشخصيات محورية في التاريخ الإسرائيلي. في صباح 3 أغسطس 1948، جلست الأختان روت وراؤوما في صالون منزل والديهما في حي رحافيا؛ روت، زوجة موشيه ديان، وراؤوما، التي أصبحت لاحقًا زوجة عيزر وايزمان. كانت روت واقفة قرب حوض المطبخ، فرأت من النافذة طائرة «بريموس» تقلع ببطء من مهبط طائرات مرتجل في وادي الصليب. وفجأة، سُمع صوت محرك متقطع، فتوقف المحرك قبل أن تكتسب الطائرة ارتفاعًا، وهوت كالحجر إلى الأرض. سارعت روت وراؤوما إلى المكان بسيارة موشيه ديان الخاصة، ومعهما ملاءات ومواد مطهرة. وعندما وصلتا إلى الحطام، انكشف أمامهما مشهد مروّع لم تنسياه قط: جثتان كاملتان مسجّاتان بلا حراك إلى جوار الطائرة المحطمة. وكانت إحداهما لزهارا ليفيتوف، المقاتلة والطيارة الأسطورية.

كانت زهارا معروفة لدى الناس باسم «زهارا حبيبة شمولك» (وشمولك شقيق بروريا). وأصبحت قصة حبهما مشهورة منذ أيام خدمتهما في البلماح، حين وقّع الاثنان «تعهدًا» مؤثرًا بالزواج فور تسريحهما من الخدمة الفعلية. كانت زهارا امرأة استثنائية: ذكية اللسان، جميلة، قوية الرأي وذات قدرة نادرة على القيادة. تعرفت إلى شمولك في عين حرود، حيث كان يخدم قائدًا. وكان شمولك نفسه شابًا موهوبًا، يتمتع بموهبة استثنائية في الكتابة، ونشأ بين عمالقة الثقافة مثل بياليك وبن تسفي وبرل كتسنلسون. وعبّر في رسائله إلى زهارا عن عمق مشاعره: «إن ظهورك في أفق حياتي أذاب القناع الرهيب... أتشعرين أنت أيضًا بألم ’خيط القلب‘ الذي يجمعنا؟»

تأجج حبهما كاللهب بعد «ليلة الجسور» في يوليو 1946، حين أُصيبت زهارا في عينها. وعندما عادا إلى عين حرود بوصفهما حبيبين، تقاسما خيمة واحدة ونشرا حولهما النور والدفء، فأثّرا في كل من رآهما. وحتى في أيام الفراق القسري بسبب المهام العسكرية، واصلا تبادل الرسائل المفعمة بالشوق: «لن تغير أي مسافة حقيقة أننا شمولك حبيب زهارا وزهارا حبيبة شمولك»، كتب إليها عام 1946، فردت عليه بحنين: «حتى القلم يشتاق إليك».

جاءت النهاية فجأة يوم الجمعة، 2 مايو 1947. طُلب من شمولك المساعدة في تدريب على استخدام قنبلة يدوية حية في كيبوتس جفع المجاور. وأثناء التدريب، انفجرت القنبلة فقُتل شمولك في المكان مع اثنين من متدربيه، قبل أن يبلغ العشرين. ورافقه آلاف الناس في طريقه الأخير إلى جبل الزيتون، وكان من بينهم يتسحاق بن تسفي، الذي رثاه قائلًا: «سقط شموئيل عند سفح الجلبوع، في أرض تقدّست بالعرق والدم».

انهارت زهارا تحت وطأة الفقد. وواصلت كتابة رسائل مفجعة إلى شمولك: «عُد إليّ يا طفلي. غبت عن أفق حياتي كشمس غربت ولن تشرق». وكرست وقتها لإعداد كتاب تخليدًا لذكراه، بالاشتراك مع والدها ووالد شمولك، يهودا إيفن شموئيل. وبشكل مأساوي يبعث على القشعريرة، لقيت حتفها في تحطم الطائرة نفسه عام 1948، وهي في طريقها للقاء والد شمولك.

أصبحت قصة الحب والفجيعة هذه جزءًا من الذاكرة الجماعية الإسرائيلية. وخُلدت في كتابي «أن تحب حتى الموت» لدبورا عومر و«مثل بريق السماء» لعوفر ريغف، وكذلك في المسرحية الشهيرة «شمولك حبيب زهارا»، التي عُرضت على خشبات المسارح عام 1981.

كانت بروريا تقيم في الولايات المتحدة في تلك السنوات، واضطرت إلى عيش المأساة العائلية المروعة من بعيد، لكن أثر الفقد في نفسها وأسرتها كان عميقًا ومستمرًا. وفي سن الثامنة والأربعين، تبنت ابنتها تامي. وفي خاتمة إسرائيلية مؤثرة ورمزية، تزوجت تامي بعد سنوات من عوديد ليفيتوف، ابن أخ زهارا، حبيبة شمولك الراحل.

حرصًا على توفير أفضل بيئة ممكنة لنشأة ابنتهما، قررت بروريا وزيليغ هاريس الهجرة إلى إسرائيل عام 1960، وانضما إلى كيبوتس مشمار هعيمك. وفي الكيبوتس، بعيدًا عن أضواء برينستون، اندمجت بروريا في حياة الكيبوتس وعملت سائقة وموظفة بريد وعاملة في مصنع، إلى أن وافقت أخيرًا على العودة إلى الأوساط الأكاديمية، فدرّست الرياضيات في المؤسسة التعليمية ثم في جامعة حيفا. وإلى جانب عملها، أحبت بروريا المشاركة في الحياة الثقافية للكيبوتس، والغناء والعزف في المناسبات المجتمعية. وكانت علاقتها بدولة إسرائيل معقدة، تجمع بين الالتزام العميق والنقد اللاذع، كما روى عالم الرياضيات البروفيسور شموئيل أغمان، الحائز على جائزة إسرائيل: «كان من الصعب في كثير من الأحيان الارتقاء إلى المعايير الإنسانية السامية التي لا تقبل المساومة، والتي فرضتها على نفسها وعلى محيطها». أسهمت بروريا كوفمان إسهامًا كبيرًا في ترسيخ البحث النظري في إسرائيل خلال سنوات عملها في معهد وايزمان (1960-1971) وجامعة حيفا (1972-1988). ومن بين أعمالها تعاونها مع الفيزيائي هاري تسفي ليبكين في بحث عن «تأثير موسباور»، وهو اكتشاف فيزيائي يتيح قياس التغيرات الضئيلة في طاقة نواة الذرة، ويُستخدم حتى اليوم ركنًا أساسيًا في الفيزياء النووية والكيمياء. وتجاوز التقدير الذي حظيت به في المجتمع حدود الأوساط الأكاديمية، ففي عام 1965 اختيرت لتكون واحدة من أول امرأتين في مجلس إدارة هيئة البث.

في عام 1982، انتقلت الأسرة إلى تل أبيب، ومنها تابعت طريقها إلى فيلادلفيا، حيث درّس زيليغ في جامعة بنسلفانيا (وكان قد تبنى في تلك الفترة مواقف معادية للصهيونية بصورة مطلقة). وهناك أيضًا أظهرت بروريا طبعها المميز، فتطوعت موظفةً في مؤسسة تساعد ذوي الإعاقة. وبعد وفاة زيليغ عام 1992، انتقلت إلى أريزونا بدافع من علاقتها بأحد معارفها القدامى والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، ويليس لامب. بدأت علاقتهما قبل أربعة عقود، حين حاولت بروريا أن تقترح عليه نموذجًا رياضيًا أبسط وأكثر أناقة لإحدى نظرياته، وعادت في سن الخامسة والسبعين إلى العمل إلى جانبه في أبحاث علمية نشطة. وبعد وفاة زوجة لامب، تزوج الاثنان، لكن زواجهما لم يدم طويلًا.

في سنواتها الأخيرة، اختارت بروريا العودة إلى إسرائيل، إلى كريات طبعون، لتعيش ما وصفته بأنه «أجمل سنوات حياتها»، إلى جانب ابنتها وحفيدتها نوعام. وعندما سُئلت على فراش الموت عما تظن أن الله سيقول لها حين تصل إلى الجنة، أجابت بذكائها المعهود بأنها تعرف سلفًا ما ستقوله له: «أين يجلس باخ؟».

في يناير 2010، توفيت بروريا كوفمان في كريات طبعون عن عمر ناهز 91 عامًا. وأوصت في وصيتها بالتبرع بجثمانها للعلم، في لفتة أخيرة من امرأة كرّست حياتها لفهم قوانين الكون. وتركت وراءها عالمًا صار تفسيره أيسر قليلًا، وجيلًا كاملًا من العلماء يواصلون السير في الدروب التي شقتها بحكمتها.