وقف في مواجهة عدو شرس هدد الاستيطان في غور الأردن، ووضع استراتيجية قتالية كان من شأنها أن تغيّر وجه المنطقة، ونجح في القضاء على العدو تمامًا. البروفيسور جدعون جيرونيموس مير أثناء كتابة هذه الكلمات، لا تزال ذكرى جائحة كورونا حية ونابضة في قلوب أبناء جيلنا. كانت الرسوم البيانية المثيرة للقلق جزءًا لا يتجزأ من روتين حياتنا، فيما شهدنا العالم يتباطأ وينكمش. ولم يخرج العالم من الإغلاقات وتَعُد الحياة إلى سيرها المعتاد إلا عندما بدأ تطعيم السكان.

يسود همعلا في مواجهة الملاريا

في ظل هذه المشاعر، يسهل تخيل رسالة دانيال لوبوفسكي، رئيس المجلس المحلي في يسود همعلاه، المفعمة بالقلق إلى يوسف فايتس، رئيس الصندوق القومي اليهودي، عام 1951، حين علم بنية الإبقاء على جزء من مستنقع الحولة الذي جُفف، بالقرب من باحة منزله. كتب لوبوفسكي بقلق بالغ: «لقد تحققت مخاوفنا بالفعل. فقد قرر الصندوق القومي اليهودي، بالتعاون مع وزارة الزراعة ولجنة مشتركة بين الوزارات، تحديد موقع المحمية بجوار بيتنا، وبذلك ألصقنا بالمستنقع إلى الأبد. لا حاجة إلى التذكير هنا بقضية معروفة، ولا إلى التذكير بصمود مستعمرتنا في ظروف لا تطاق، في حرب يائسة مع المستنقع الخبيث، ولا بذكرى تلك الحرب، ولا بضحايا الملاريا، الضحايا الذين لا يُحصون، والضحايا الأعزاء...». وحاول فايتس، في رده، أن يطمئن لوبوفسكي: «لا مبرر للخوف من أن تكون المحمية بؤرة للحمى التي ستنتشر في مستوطنتكم. ألا تعلم جيدًا أن المستنقع، حتى حين كان يغطي كامل مساحة الامتياز، كف في السنوات الأخيرة عن أن يكون بؤرة للحمى، بفضل التدابير التي اتُخذت لإبادتها هناك؟ فكم بالحري ألا نخشى أن تصبح المحمية، التي لا تزيد مساحتها على عُشر المستنقع السابق وربما أقل من ذلك، مصدرًا للحمى». وكان فايتس محقًا بالفعل. فقبل كتابة رسالته بخمس سنوات، عام 1949، وصف الصحفي دافيد فهدزور ظاهرة مدهشة في يسود همعلاه: «وأخيرًا، مفاجأة من نوع خاص: لا توجد في يسود همعلاه ولا بعوضة واحدة. ينام الناس من دون ناموسيات... لم تسجل أي إصابة بالملاريا منذ ما يقارب أربع سنوات، ويتنفس أهل يسود الصعداء، بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة». لكن الواقع التاريخي لم يكن مطمئنًا دائمًا إلى هذا الحد. ففي سنوات سابقة، وصف المزارع موشيه أميتائي الوضع الصعب للمستعمرة: «منذ ثمانية وعشرين عامًا، تكافح يسود همعلاه البائسة الحمى. وقد ضحت بنصف سكانها في هذه الحرب، وفي النهاية كانت الغلبة للحمى». وفي عشرينيات القرن الماضي، كان سكان المستعمرة يعرفون أن كل من يمرض بعد إقامة دامت ثمانية أيام في المكان، يُرجح أنه مصاب بالملاريا وأن أيامه معدودة. فقدت بعض العائلات سبعة أطفال، وأصبح عدد الموتى أكبر من عدد الأحياء.

كان لمرض الملاريا دور كبير في تشكيل تاريخ الاستيطان في أرض إسرائيل. وبدت المناطق الأكثر إصابة، مثل غور الحولة، مهجورة، فانخفضت قيمتها انخفاضًا كبيرًا. وشملت المحاولات الأولى لمكافحة المرض زراعة أشجار الكينا وتوزيع الكينين، لكن اتضح لاحقًا أن هذه التدابير، التي موّلها البارون روتشيلد، لم تكن الحل المناسب.

في نوفمبر 1934، استدعى آرثر واكوب، المندوب السامي البريطاني آنذاك، البروفيسور جدعون مير، الذي كان لا يزال يحمل لقب الدكتور، للحديث في مكتبه بالقدس. وفي أجواء جادة ورسمية، توجه واكوب إلى مير وسأله: «هل تعتقد أنه يمكن استيطان غور الحولة، المصاب بحمى الملاريا؟» فأجاب البروفيسور مير بثقة كبيرة: «يا صاحب السعادة، أنا واثق من أننا نستطيع استيطان سهل الحولة. أؤمن وأثق بأننا سنتمكن من هزيمة الملاريا». وبعد وقت قصير، قرر واكوب، الذي تأثر بثقة البروفيسور مير وعزيمته، الموافقة على امتياز الحولة، فاتحًا بذلك الطريق لخوض معركة حاسمة ضد الملاريا وللاستيطان في الغور.

النضال القطري في المستنقعات

في عام 1917، ومع احتلال أرض إسرائيل، بدأ البريطانيون برسم خرائط المناطق الخطرة ووضع الخطط للحد من الوباء، مثل تجفيف المستنقعات وتركيب شبكات للصرف الصحي. وانضم الاستيطان الصهيوني إلى الجهود بعدما أدرك أن القضاء على الملاريا شرط أساسي للاستيطان. وهكذا نشأت شراكة واسعة النطاق بين البريطانيين والمنظمات الصهيونية، ومنها «الجونت» و«هداسا» والقاضي لويس برانديز، الذي ترأس على مدى السنوات منظمات صهيونية مختلفة.

قاد الدكتور إسرائيل كليغلر الحرب على الملاريا، وأسّس عام 1922 «معهد أبحاث الملاريا». وانضم جدعون مير إلى المعركة، وكان حينها يعمل مساعدًا صحيًا في عيادة الدكتور ناتان شتراوس في موسرارا، وعمل مفتشًا في مجال مكافحة الملاريا في منطقة بحيرة طبريا، تحت إشراف كليغلر. وفي عام 1923، عُيّن البروفيسور مير مفتشًا رئيسيًا في معهد أبحاث الملاريا.

لم تعرف عزيمة البروفيسور جدعون مير على مكافحة الملاريا حدودًا. ففي السنة نفسها، سافر لإكمال دراسته الطبية في أوروبا، وأنهاها بامتياز في جامعة نابولي. ثم تلقى تدريبًا لدى البروفيسور جوفاني باتيستا غراسي، أحد كبار الباحثين في هذا المجال، وتابع تخصصه في الأمراض المدارية في أمستردام وباريس. وعند عودته إلى البلاد عام 1929، وكان في الخامسة والثلاثين، رجع البروفيسور جدعون مير بقوى متجددة، وعُيّن مديرًا لمحطة أبحاث الملاريا في روش بينا. وتقديرًا لأهمية عمله، رُكّب في منزله أول هاتف في روش بينا والمنطقة كلها، وأصبح رمزًا للتقدم والعزيمة في المعركة الطويلة ضد الملاريا.

صور من القصة: גדעון מר
בית פרופסור גדעון מר בראש פינהצילום: Atlas Nini, CC BY-SA 3.0, ויקישיתוף

من طفولة في ليتوانيا إلى أرض إسرائيل

وُلد جدعون مير عام 1894 في بلدة بوسبول، بالقرب من بونيفيج، في ليتوانيا. وكان والده، الدكتور آرون مير، شخصية استثنائية، نابغة في مدرسة دينية يهودية تابع دراسته في جامعة موسكو، حيث تخرج بامتياز من كليتين، هما العلوم الطبيعية والطب. وعندما عاد إلى بلدته عام 1890، بدأ العمل طبيبًا. وبعد عامين، تزوج حبيبته حنا (آنا)، من عائلة برمان، وكانت امرأة موهوبة وجميلة درست طب الأسنان لاحقًا. وفي عام 1894، وُلد ابنهما البكر جدعون، الذي تشرب منذ طفولته قيم مساعدة الآخرين، والاهتمام بالعلم، والصهيونية المتقدة. اعتاد أن يقضي ساعات طويلة في مختبر والده، ومنذ ذلك الحين اتخذ قرارًا بأن يصبح طبيبًا، اقتداءً بوالديه. لكن جدعون، اليهودي المعتز بهويته، لم يقبل تغيير دينه كي يُقبل في جامعة في مكان إقامته، ولذلك سافر عام 1912 لدراسة الطب في جامعة هايدلبرغ في ألمانيا.

في ألمانيا، انضم إلى الجمعية الطلابية الصهيونية «هحافير»، وهناك سمع للمرة الأولى من زملائه عن نقص الأيدي العاملة في أرض إسرائيل. وأشعلت فيه الحكايات عن البلاد الفتية، التي تحتاج إلى قوى شابة وعازمة، شوقًا شديدًا إلى أرض إسرائيل. وفي مطلع عام 1914، بعد سنة ونصف من بدء دراسته، قرر الهجرة إلى أرض إسرائيل، رغم معارضة والديه ومن دون أن يملك شيئًا. وهكذا، بحلم في قلبه وحقيبة في يده، شق طريقه إلى البلاد التي كانت تحت الحكم العثماني. وعندما وصل، بالكاد استطاع إعالة نفسه بالعمل حارسًا في بساتين رحوفوت. وسافرت والدته حنا، التي قلقت من خطوته الجريئة، إلى البلاد لإقناعه بالعودة إلى ليتوانيا، لكن جدعون تمسك بموقفه وقال: «استيطان البلاد أهم من مسيرة مهنية شخصية». ورفض كل عروض والدته، بما فيها الدعم المالي، واستمر في العيش من أجره المتواضع. وعندما عادت والدته إلى روسيا، جُنّد والده في الجيش الروسي وشارك في الحرب العالمية الأولى. وطالبت السلطات العثمانية المواطنين الأجانب بـ«التعثمن» كي يبقوا في البلاد. فاستجاب جدعون للمطلب، بل وانضم إلى منظمة «الهلال الأحمر» التركية. وفي أحد الأيام، أوقفه جنود أتراك ظنوا خطأ أنه من رعايا روسيا، ورحلوه إلى مصر. وفي أبريل 1915، كان جدعون من أوائل المتطوعين في كتيبة سائقي البغال التي أُنشئت في مصر ضمن الجيش البريطاني، استعدادًا لمعركة غاليبولي. وخدم إلى جانب يوسف ترومبلدور، الذي عيّنه مساعدًا شخصيًا له. قاتل جدعون مير في غاليبولي وأصيب، وبعد الحرب عاد إلى أرض إسرائيل وانضم لفترة إلى كتيبة العمل في كيبوتس تل يوسف. وفي نهاية الحرب، عام 1918، وجد عملًا في مؤسسة لمكافحة الملاريا، وهو عمل سيصبح رسالة حياته ويقوده إلى المعركة الكبرى من أجل الصحة العامة وبناء أرض إسرائيل.

في روش بينا وغور الحولة

كان عمل البروفيسور جدعون مير أساس الاستيطان اليهودي في شمال غور الحولة. فمنذ عام 1934، وعلى مدى ثلاثة عشر عامًا، كرس حياته لمكافحة الملاريا، مستعينًا بخبرته الواسعة التي اكتسبها خلال الحرب العالمية الثانية. وبصفته ضابطًا في الجيش البريطاني وخبيرًا في الأمراض المدارية، أُرسل مير إلى منطقة الهلال الخصيب وجنوب شرق آسيا، حيث طور وسائل كيميائية وتقنية جديدة لمكافحة المرض الفتاك. وكان صمود الاستيطان اليهودي يعتمد على تجفيف المستنقعات وإخضاع بعوض الأنوفيلة. وفي عام 1922، أسس الدكتور إسرائيل كليغلر، وهو أحد الخبراء في هذا المجال، معهد أبحاث الملاريا في حيفا وترأسه. وبين عامي 1923 و1925، أدار وحدة أبحاث المرض في دائرة الصحة التابعة لحكومة الانتداب، وشمل عمله الدؤوب رسم خرائط للمناطق ذات معدلات الإصابة والوفيات المرتفعة، وتحديد أنثى بعوض الأنوفيلة بوصفها الناقل الوحيد للمرض. وبحث كليغلر عن مكان مناسب لإنشاء مختبر ميداني، فاختار روش بينا لقربها من مستنقعات الحولة، مع ابتعادها عنها بما يكفي للحفاظ على صحة السكان. وأُنشئت محطة أبحاث الملاريا هناك عام 1927، وكانت أول وحدة خارجية للجامعة العبرية. وإلى جانب التمويل المحلي، تلقت المحطة منحًا من عصبة الأمم وحكومة الانتداب. أما المبنى الذي ضم المختبر، فقد شُيّد عام 1893، وكان في السابق مقرًا لموظفي البارون روتشيلد، وأصبح مركزًا مهمًا لتدريب الأطباء والباحثين. وفي عام 1929، عُيّن البروفيسور جدعون مير مديرًا للمحطة تحت إشراف كليغلر. كما أُنشئت عيادات داخل مستنقعات الحولة، قدمت الرعاية المجانية للسكان البدو المحليين في قرى قبيلة عرب الغوارنة.

أدرك كليغلر وجدعون مير أن مكافحة الملاريا يجب أن تشمل جميع سكان المنطقة، اليهود والعرب على حد سواء، لأن «البعوض لا يميز بين العرب واليهود». وقد أطلق العرب على مير لقب «حكيم الملاريا»، ثقةً به وتقديرًا لتفانيه في علاج الجميع دون تمييز.

كان البروفيسور مير يطل من شرفة منزله على غور الحولة، ويراه أرضًا للاستيطان اليهودي مستقبلًا، ويحلم باليوم الذي يستطيع فيه إعلان أن الاستيطان فيه آمن. وتحقق حلمه في أكتوبر 1939، عندما أُقيم كيبوتس أمير على الأرض، في أراضي قرية خيام الوليد العربية، بعد أن اشتراها الصندوق القومي اليهودي. ووضع البروفيسور مير قواعد احترازية صارمة، شملت معالجة المياه الراكدة، والعناية بحيوانات المزرعة، وفرض حظر التجول عند غروب الشمس. ولم يكن يتجول ليلًا سوى الحراس، مرتدين «ملابس الملاريا»: قمصانًا بأكمام طويلة، وسراويل طويلة، وغطاءً يحمي بشرة الوجه واليدين. وحذر مير قائلًا: «إذا لم تُتبع هذه التعليمات، فلن يصمد الكيبوتس أكثر من بضعة أشهر». وشملت خطة الاستيطان التي وضعها مير استعدادات دقيقة ومفصلة للحماية من بعوض الأنوفيلة الذي هدد حياة المستوطنين. وعمل بعزم على ضمان سلامة المستوطنات قدر الإمكان، وفرض تدابير حماية مبتكرة تضمنت تركيب شبكات وناموسيات وأبواب تفتح إلى الخارج لمنع دخول البعوض. كما استخدموا سوائل قاتلة ورشوا مناطق بالديزل والكيروسين والزيت على بعد كيلومتر من المستوطنة لمكافحة يرقات البعوض. ونُفذ تصميم المباني أيضًا بعناية فائقة، وفقًا لإرشادات محطة أبحاث الملاريا. وصُممت الأكواخ وقاعات الطعام والمناطق السكنية بطريقة تمنع وصول البعوض، وبُذلت جهود لإبقاء أماكن التجمع خالية من الروائح التي قد تجذب البعوض. وكان يُحرص كل مساء على استخدام مداخل معتمة متدرجة، كما أُلزم المستوطنون بارتداء «ملابس الملاريا».

في عام 1942، خلال الحرب، سافر البروفيسور جدعون مير لإجراء أبحاث في منطقة موزاباد شمال إيران، وقادته رحلته أيضًا إلى لقاء الجالية اليهودية في كالكوتا. وفي تلك اللحظات، كتب في مذكراته عن المشاعر العميقة التي انتابته وعن الدلالة التاريخية لتلك الفترة: «من الجيد أنني رأيت أولئك اليهود، الذين هم غرباء عني، لكنني أعلم أنني أحميهم كما أحمي جميع يهود العالم... لا بد أن نفكر في الخطر الرهيب الذي نجونا منه، فماذا كان سيحدث لو انتصر هتلر؟ كان المصير نفسه ينتظر اليهود في كل أنحاء العالم، كما حل بيهود بولندا... عندما يسألونني: ماذا ستعطينا هذه الحرب؟ ماذا ستعطي الشعب اليهودي؟ ماذا ستعطي فلسطين؟ لا أستطيع الآن إلا أن أجيب: الحياة والأمل. أهذا قليل؟ ألا يستحق ذلك أن نقاتل؟»

في 23 مايو 1944، قبل أشهر قليلة من وفاة البروفيسور إسرائيل كليغلر، كتب إليه البروفيسور جدعون مير رسالة مؤثرة من مختبره في جنوب شرق آسيا: «عزيزي البروفيسور كليغلر: دعني أبدأ بإخبارك أن علم الملاريا يعرف اليوم مصطلحًا يسمى «مجموعة كليغلر»، وهي تضمك، بالطبع، وتضمّني أنا ورايتلر وآخرين. وقد ذاع صيت هذه المجموعة هنا، ومن واقع خبرتي حتى الآن، تعلمت أن من تجرأ على تجاهل نتائج أبحاثها ارتكب خطأ جسيمًا». ولم تعبر كلمات مير عن عظيم تقديره لكليغلر فحسب، بل أظهرت أيضًا الاعتراف الدولي الذي نالته مجموعة الأبحاث.

واصل البروفيسور جدعون مير أبحاثه، وأجرى، في السنوات التي أدار فيها المحطة، سلسلة من الدراسات المذهلة التي غيّرت أساليب مكافحة الملاريا. فدرس أسباب هجرة بعوض الساكاروفي، وطور طرقًا لتحديد عمر أنثى بعوض الأنوفيلة، وبحث دورة تطور الطفيليات. وفي تجربة استثنائية، سمح لإناث بعوض مصابة بلسعه ولسع زوجته زينا، التي كانت حاملًا آنذاك، ومتطوع آخر. ولم يبقَ محصنًا ضد الملاريا سوى ابنهما زلمان، الذي وُلد لاحقًا. ومنحت هذه الاكتشافات الرائدة مير لقب أستاذ من الجامعة العبرية. وطور طريقة لاستخلاص البيرثروم من نباتات الأقحوان في باحة منزله، وصنع جهاز رش فريدًا يعتمد على آلية موقد بريمس، واستُخدم لرش جدران المنازل. وفي 15 نوفمبر 1945، منحه الملك جورج السادس أرفع وسام من «وسام الإمبراطورية البريطانية»، وهو وسام لم يُمنح قط ليهودي غير مواطن بريطاني. وجاء في كتاب التوصية بإنجازاته المتميزة: «يتحمل المقدم مير مسؤولية اتخاذ تدابير مهمة في مكافحة الملاريا، كما تولى مسؤولية تنظيم مختبر فعال. وقد أدت مبادرته وحماسه إلى تحقيق نتائج في مختلف الأحوال الجوية... وكان لحماسه الذي لا يكل وإنجازاته العلمية قيمة كبيرة للجيش».

عاد البروفيسور مير إلى البلاد بخبرة واسعة وإحساس متجدد بالرسالة. وأصبح العلم والخبرة اللذان جلبهما معه ميزة في مكافحة الملاريا في غور الحولة، وفي عام 1949 تحررت مستوطنات مثل يسود همعلاه وحولتا من تهديد المرض المستمر. ولخص البروفيسور مير المعركة ضد الملاريا بكلمات بسيطة لكنها قوية: «هذه إشارة النصر». وبالنسبة إليه، لم يكن ذلك انتصارًا على مرض فتاك فحسب، بل كان أيضًا رمزًا للأمل والتجدد في البلاد كلها. وفي عام 1946، بلغت مكافحة الملاريا ذروتها مع حملة رش شاملة بمادة دي دي تي في جميع مستوطنات غور الحولة، وكاد المرض يُقضى عليه تمامًا. وبعد ثلاث سنوات فقط، في عام 1949، زال تهديد الملاريا عن يسود همعلاه نهائيًا، مما أدى إلى انتقادات بشأن الحاجة إلى مشروع تجفيف الحولة الذي بدأ عام 1951.

سنوات الخدمة والميراث

في عام 1948، وكان عمر البروفيسور جدعون مير 54 عامًا، جُنّد مرة أخرى لخدمة الدولة، وهذه المرة طبيبًا ميدانيًا في حرب الاستقلال. وعُيّن طبيبًا لمنطقة الجليل الشرقي ولواء «عوديد»، وسرعان ما انضم إلى الفريق الصغير لرئيس الخدمات الطبية، البروفيسور حاييم شيبا. وعندما تحولت الخدمات الطبية إلى سلاح الطب، واصل مير أداء مهمته وكرس مهاراته وخبرته لصحة المقاتلين. وحتى بعد قيام الدولة، لم يتوقف مير عن العمل. وواصل أبحاثه الدؤوبة في مجالي الملاريا ومكافحة البعوض، وعمل مستشارًا لوزارة الصحة ومديرًا فعليًا لها في عامي 1956 و1957. ومثّل إسرائيل في منظمة الصحة العالمية، ووضع الدولة في طليعة المشهد العلمي العالمي. وكانت محطة الأبحاث في روش بينا محور حياته، وقد حولها إلى مركز عالمي لأبحاث الملاريا استضاف باحثين من أنحاء العالم.

توفي البروفيسور جدعون مير في مارس 1961، عن عمر يناهز 66 عامًا. ودُفن في روش بينا، بالقرب من منزله ومحطة الأبحاث التي أدارها لأكثر من ثلاثين عامًا. وعند وفاته، نشرت منظمة الصحة العالمية خلاصة مؤثرة لإسهامه في علم الطب: «كان البروفيسور مير واحدًا من ممثلي مجموعة آخذة في التقلص من خبراء الملاريا، الذين يمتلكون معرفة دقيقة بكل جوانب مسببات المرض وآثاره وسبل مكافحته. وكان إسهامه الكبير في أبحاث أسباب المرض، مع تركيزه على أنثى بعوض الأنوفيلة، اختراقًا علميًا ضروريًا في ثلاثينيات القرن الماضي. ويعود نجاح دولة إسرائيل في التغلب على الملاريا وإزالتها بوصفها عائقًا أمام التنمية الاقتصادية والاستيطان إلى مبادرات البروفيسور مير وخبرته ونشاطه الدؤوب وحماسه الذي أشاعه في كل من التقى به، وحظي بشرف العمل إلى جانب هذا الرجل الحكيم والسخي والمتواضع».

اتسمت الحياة الأسرية لجدعون مير هي الأخرى بالتفاني والنضال من أجل مبادئ سامية. فابنته ميا مير عفرون، مقاتلة في فيلق النساء المساعد والبلماح، هي أم لياهي حانوخ والموسيقي ران عفرون. أما ابنته الثانية، أرنا مير خميس، فكانت ناشطة سياسية وأم الممثل والمخرج جوليانو مير خميس، الذي اغتيل في جنين عام 2011. وكان ابنه زمي (زلمان) مير من قادة حركة الكيبوتس القطرية.

صور من القصة: גדעון מר
בית העלמין בראש פינה, מקום קבורתו של גדעון מרצילום: יהודית גרעין-כל, CC BY 2.5, אתר פיקיוויקי

لا يزال إرث البروفيسور جدعون مير حيًا في روش بينا، في منزله ومختبره اللذين أُعيد ترميمهما. ويضم المكان، المعروف باسم «بيت مير»، معرضًا مخصصًا لأعماله، ويشمل مختبر «محطة أبحاث الملاريا» ومقتنياته الشخصية.

على الرغم من إنجازات البروفيسور مير في القضاء على الملاريا في البلاد، لم يُقضَ على المرض تمامًا في العالم. إذ يموت بسببه اليوم ما بين 1.4 و2.4 مليون شخص كل عام، ويقول مؤرخون مثل تيموثي واينغارد إن البعوض تسبب في موت أكثر من 5.2 مليار إنسان على مر التاريخ، فهو «مفترس أعلى» لا يزال يغير مسار التاريخ البشري.

ومع ذلك، بقيت إسرائيل في وضع فريد يُعرف باسم «وجود الأنوفيلة من دون ملاريا»، وهو وضع تراجعت فيه بعوضات الأنوفيلة إلى موائل بيئية معزولة ولم تعد تشكل تهديدًا حقيقيًا. وهذا دليل على الانتصار الكبير الذي حققه البروفيسور مير، الرجل الذي كرس حياته لإنقاذ الآخرين وبث الأمل في عالم مثقل بالمعاناة.