يصعب المبالغة في وصف عظمة شخصية هذا البار من الأمم، الذي أنقذ آلاف الفتيان، معرضا أسرته وأطفاله للخطر. كان محبا للناس، وداعية للسلام، ومناضلا من أجل الحرية، وقد دفع حياته ثمنا لكل ذلك.

يوهان خِرارد (يوب) فسترڤيل

«لقد أردنا في هذا الكتاب أن نُبرز شخصية يوب فسترڤيل، البار من الأمم، ابن الشعب الهولندي، الذي ربط روحه بأرواح الرواد والشبان اليهود، وبذل حياته لإنقاذهم» - هكذا يبدأ الكتاب الذي كتبته براخا حباس، «نوره المخبوء - يوب فسترڤيل في حياته وموته».

أُطلق الرصاص على يوب صباح 11 أغسطس 1944 بالقرب من معسكر فوخت في هولندا، وترك زوجته فيل فسترڤيل، التي كانت هي الأخرى مربية معروفة في هولندا، لتربي وحدها أطفالهم الأربعة الصغار. كان يوب ركيزة المقاومة الهولندية، وهي مقاومة جريئة ذاعت قصص بطولاتها خارج حدود هولندا أيضا. فقد رُويت في بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، وشجعت السكان المحليين على المبادرة إلى التصدي للوحشية النازية في الحرب العالمية الثانية.

كان واضحا لقائد الجيش الهولندي، هنري فينكلمن، أنه لن يستطيع هزيمة الجيش النازي الكبير والمجهز جيدا. فلم يكن لدى الجيش الهولندي دبابات، وكان يفتقر إلى المدفعية الميدانية والأسلحة المضادة للدبابات. ولم يجد فينكلمن بُدا من أن يقرر اقتصار دفاع الجيش على عدد من المناطق الحيوية التي سُميت «حصن هولندا»، على أمل إطالة أمد المعركة حتى تتدخل قوات الحلفاء وتنقذهم.

بدأ الهجوم الألماني صباح 10 مايو 1940. وشرعت قوات سلاح الجو الألماني في قصف المطارات الهولندية. وبعد أربعة أيام، قصف الألمان روتردام. ودُمر وسط المدينة بالكامل تقريبا، وقُتل 900 من سكانها، وبقي 80,000 منهم بلا مأوى. وأدى القصف العنيف، وتهديد الألمان بقصف مدن هولندية أخرى أيضا، وتأخر وصول قوات الحلفاء، إلى استسلام هولندا بعد أربعة أيام من القتال. وكانت فيلهلمينا، ملكة هولندا، وأسرتها قد غادروا هولندا في 12 مايو على متن مدمرة بريطانية متجهة إلى بريطانيا، حيث أقامت الملكة حكومة في المنفى.

سقوط هولندا

كانت هولندا من أوائل الدول التي منحت اليهود حقوقا متساوية. فقد تمتعوا بحياة مرفهة، واندمجوا في الحياة الثقافية، وكانوا ميسوري الحال، وأقاموا حياة مجتمعية وتمتعوا بحرية دينية كاملة.

مع صعود الحزب النازي إلى السلطة، هاجر بعض اليهود من ألمانيا إلى هولندا. وكانت أشهرهم آنا فرانك وأسرتها. وبعد احتلال النازيين لهولندا، فر بعض اليهود إلى إنجلترا، بل إن بعضهم اختاروا الانتحار. وكان الألمان على دراية بموقف هولندا من اليهود، ولذلك توخوا الحذر خلال الأشهر الستة الأولى، واستغلوا هذه الفترة للتغلغل في أجهزة الحكم في هولندا. وبعث الهدوء النسبي السائد الأمل في نفوس السكان، إذ اعتقدوا أن النازيين لن يجرؤوا على التصرف في هولندا كما تصرفوا في بلدان أخرى بحق اليهود. لكن بعض اليهود أدركوا أن هذا الأمل لا أساس له، إذ كان يكفي أن ينظروا إلى ما حدث في الدنمارك، حيث مضى النازيون، رغم مقاومة الشعب الدنماركي، في تنفيذ «الحل النهائي».

عشية الغزو الألماني، كان في هولندا نحو 140 ألف يهودي، من بينهم 22 ألف لاجئ من ألمانيا، سبق لهم أن شهدوا دمار الجالية اليهودية هناك، لكنهم أخطأوا حين ظنوا أنهم وصلوا إلى بر الأمان. ومع الغزو، استولى الرعب على الجالية اليهودية. وبعد بضعة أشهر، بدأ النازيون بجمع اليهود وإرسالهم إلى معسكر الاعتقال ماوتهاوزن.

تابعت القيادة الدينية والروحية الهولندية التطورات بقلق. فبعد صدور المراسيم الأولى لقوانين العرق مباشرة، صدرت بيانات احتجاج على هذه القوانين باسم «اتحاد الكنائس» الذي تأسس في ذلك الوقت، وأُعلن عن الاحتجاج في عظات أيام الأحد. كما صدرت احتجاجات في الجامعات، من الأساتذة والطلاب على السواء.

في فبراير 1941، دخلت ميليشيات نازية إلى أحياء أمستردام التي كان اليهود يسكنونها، وشرعت في استفزازهم. وفي الشهر نفسه، اندلع إضراب عام عفوي في أنحاء أمستردام احتجاجا على هذه الأعمال، وهو إضراب لم يشهد مثله أي مكان في أوروبا المحتلة. وقمع النازيون الإضراب بوحشية، وأصبح واضحا أنه لا سبيل إلى إحباط خطط النازيين لإبادة السكان اليهود في هولندا.

التنظيم للإنقاذ

حين اتضح أن المقاومة العلنية لا تجدي في مواجهة النازيين، قررت بعض الأوساط الهولندية تنظيم حركة سرية مهمتها مساعدة اليهود.

كان عام 1941 عاما فُرضت فيه على اليهود مراسيم قاسية سلبتهم حقوقهم الأساسية والقانونية والمادية. فمُنعوا من التنقل بالقطارات والحافلات، ومُنعوا من امتلاك الدراجات الهوائية، والشراء من المتاجر العامة، والانتقال من منزل إلى آخر، وتوظيف غير اليهود، وغير ذلك... وأخيرا، جُمع اليهود في كتلتين داخل الحي اليهودي، وطُلب منهم نقل أعمالهم التجارية إلى أيدي مشرفين آريين. وجُمّدت حساباتهم المصرفية وصودرت ممتلكاتهم.

في ظل هذه الأحداث، نظمت حركة طلائعية ضمت 821 عضوا في «علياه الشبيبة»، كان بعضهم يقيمون في مزارع للتدريب، حيث ضمت كل مزرعة بضع عشرات من الشبان، فيما تدرب آخرون فرادى لدى مزارعين. وفي تلك الأيام، كان في مزرعة لوسدرخت خمسون فتى تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاما، قدموا من ألمانيا والنمسا، وانتقلوا إلى هولندا بعد مذابح عام 1938 المعروفة باسم «ليلة البلور»، عن طريق «علياه الشبيبة»، في طريقهم إلى أرض إسرائيل. وكان يقودهم شاب يهودي اسمه شوشو (يوحاخيم سيمون)، أكبر منهم بقليل، ومتميز بمعرفته بأرض إسرائيل والأدب العبري والكتاب المقدس وغيرها. وقد أشعل شوشو حماسة الفتيان، الذين رأوا فيه أبا مخلصا. ومنع نشر «الكتاب الأبيض» في أرض إسرائيل الشبان من مغادرة هولندا، واستولى عليهم يأس عميق حين وجدوا العدو الخطير الذي فروا منه على عتبة بابهم. وفي يوليو 1942، بدأ النازيون بجمع اليهود في معسكر فيستربورك وإرسالهم إلى معسكرات الإبادة في بولندا. وكان واضحا أن إنقاذ الفتيان يتطلب العثور على غير يهود يوافقون على تعريض حياتهم للخطر وإيوائهم في بيوتهم، بل وتزوير وثائق «آرية» لهم.

كان يوب فسترڤيل معلما ومربيا وشخصية معروفة في الأوساط التربوية الهولندية، وصاحب خبرة واسعة في الأنشطة التنظيمية. عُقد اللقاء الأول معه في أوائل أغسطس 1942. وقد قدم من روتردام، حيث كان يدير مدرسة وفق طريقة مونتيسوري. كان يوب أبا لثلاثة أطفال، وكانت زوجته فيل حاملا بطفلهما الرابع حين لجأ إليه اليهود. وروى مناحيم، أحد الناجين، أن رد يوب كان: «أيها الأصدقاء! هذه عملية كنت أنتظرها طوال هذه الأيام. شعرت في عملي مع أطفال المدرسة بأنني وصلت إلى طريق مسدود. فما دمت عاجزا عن الرد على كل ما يجري في الخارج من إذلال، لا أستطيع أن أعلم الفتيان حتى أبسط الأمور». وأضاف مناحيم عن يوب: «في لقائنا الأول، لم نكن قد تعرفنا بعد إلى نشاطه الاستثنائي وتأثيره الهائل في الناس، ومع ذلك كنا واثقين بأننا سننجز المهمة رغم كل شيء. وقد اكتسبت الخطة كلها طابعا أكثر جدية وحسما».

تهريب الفتيان

كانت خطة يوب ألا يترك للألمان شيئا، كي لا يجدوا سوى بيت فارغ. وبالاشتراك مع صديقيه يان سميت وباوكه كونينغ، أخفوا الفتيان في بيتهم في الغابة. وكان أربعة فتيان من آخر من غادروا بيوتهم في 16 أغسطس 1942 وانتقلوا إلى روتردام، وأقاموا في شقة فارغة أعدها يوب. وأصبح الفتيان الأربعة من أهل بيته. وزودهم بمواد للدراسة والقراءة، ونشأت بينهم صداقة عميقة. وانضمت إلى المهمة أيضا فيل، زوجة يوب، التي عرّضت نفسها وأطفالها لخطر جسيم.

ومع مرور الوقت، اتضح أن الفتيان لن يستطيعوا الصمود طويلا في ظروف الاختباء، وأنه لا بد من إخراجهم من هولندا. فبدأ يوب وأصدقاؤه بتهريب الناجين سرا من حدود إلى أخرى، معرضين حياتهم للخطر. وفي فترات الاستراحة بين عمليات التهريب، كان شوشو ويوب ينغمسان في الحديث، وقد عبّر يوب في إحدى المرات عن رغبته في الاستقرار في أرض إسرائيل. وحذره شوشو من أن يصاب بخيبة أمل مما قد ينتظره في حياة الكيبوتس.

حين اتُخذ قرار تهريب الأطفال، فتح يوب العهد الجديد وقرأ الآية: «من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنا أو بنتا أكثر مني فلا يستحقني» (متى 10: 3). وهكذا جعل كل ما يقوم به قائما على أساس أخلاقي مسيحي. في البداية، تحفظ يوب على الهدف الصهيوني الذي رآه الفتيان غايتهم النهائية. وأكد يوب أنه يساعدهم لا لأنهم يهود، بل لأنهم بشر مضطهدون. ومع مرور الوقت، انتقلت إليه حماسة الفكرة الصهيونية الرامية إلى إقامة مجتمع جديد في أرض جديدة.

في 25 يناير 1943، أُلقي القبض على شوشو وهو يعبر الحدود عائدا من بلجيكا. وكان يحمل عند اعتقاله مالا ووثائق واستمارات فارغة لتصاريح عبور ورخص. وتمكن من تهريب ورقة من السجن أخبر فيها أصدقاءه باحتمال نقله إلى معسكر فيستربورك، وطلب منهم التخطيط لتهريبه من هناك. لكن شوشو، رغم خطته، انتحر بعد يومين بقطع شرايين يديه بشفرة حلاقة.

طريق يوب فسترڤيل

وُلد يوب في مدينة زوتفن شرقي هولندا في مطلع عام 1899، وكان اسمه يوهان خِرارد فسترڤيل. استمد يوب قيمه الأخلاقية من أبيه، الذي كان يملك مطبعة صغيرة وينتمي إلى طائفة مسيحية صغيرة اسمها «طائفة الدربستيين»، استلهمت تعاليمها من العهد القديم والعهد الجديد. وكان جوهر عقيدتها تأجيل المعمودية إلى سن المراهقة، ليقرر الفتى عندئذ إن كان يرغب في الانضمام إلى الطائفة (تجديدية العماد). عاشت الأسرة في فقر بعدما أهمل الأب المطبعة وكرس حياته للطائفة، مما تسبب في خلافات كثيرة بين يوب وأبيه. وعلى الرغم من كثرة وصايا الطائفة، نال أبناء فسترڤيل تعليما عاما واسعا. كان يوب متمردا بطبعه، وقد بُذرت فيه منذ صغره بذور النضال من أجل المساواة في الحقوق لكل إنسان. أُرسل للدراسة في معهد ديني لإعداد المعلمين، لكنه ترك المؤسسة قبل إتمام دراسته، وحصل على تأهيل للتدريس بعد اجتياز امتحانات خارجية. تزوج في سن العشرين، لكن زواجه لم يدم. وكان يوب، المضطرب الروح، يبحث عن موطن أيديولوجي، فأبحر إلى إندونيسيا، لكنه لم يمكث هناك طويلا. ورفض التجنيد في الجيش لأنه كان مسالما، وسُجل بوصفه أول مواطن هولندي في المستعمرات يرفض الخدمة العسكرية. كان ذلك فعلا تمرديا جليا لا سابق له، فتح الباب أمام الآخرين. وبعد سجنه، طُرد من إندونيسيا، لكنه واصل، حتى بعد عودته إلى هولندا، رفض الامتثال للقوانين التي لا تتفق مع قناعاته. ورأى أن دفع بعض الضرائب ووجوب حمل بطاقة هوية يشكلان مساسا بالحرية الفردية.

عندما عاد إلى أمستردام، كرس نفسه للعمل التربوي، وكان لسحر شخصيته أثر هائل في الأطفال. استمال قلوبهم بصدقه واضطراب روحه وتفانيه واهتمامه اللامحدود بهم. وكان يعرف كيف يحفزهم ويضع أمامهم التحديات، ويحثهم على العمل وتحقيقها. ومن أهم إنجازاته النادي الرياضي وفريق كرة القدم الذي نجح في توحيد صفوفه، ورافقه حتى فاز بالبطولة. (ولا يزال اسم يوب فسترڤيل ظاهرا على حجر الأساس في النادي الرياضي). وأفضل من وصفه كان مفتش وزارة التعليم، الذي كتب عنه: «أحد أسوأ موظفيّ، لكنه في الوقت نفسه أفضل معلم ومرب عرفته على الإطلاق».

في عام 1932، غادر يوب أمستردام وانتقل مع أسرته إلى مدرسة الكويكرز «فيركبلاتس» في بلدة بيلتهوفن، حيث درّس الأدب والرياضيات والأحياء. واكتسبت المدرسة سمعة باعتبارها أفضل مؤسسة تعليمية حرة في هولندا. وكان الأهالي المستنيرون يرسلون أبناءهم إليها من أماكن بعيدة، واستقبلت المدرسة طلابا من شرائح مختلفة، بمن فيهم أبناء الأسرة المالكة. ولأنه رفض دفع الضرائب التي كان يُستخدم بعضها لتمويل الجيش، رفض يوب أيضا تقاضي راتب، وعاش مع أسرته في غرفة لا تضم سوى ثلاثة أسرّة، وكان يتناول الطعام على مائدة المدير. وهناك، في المدرسة، تعرف للمرة الأولى إلى اللاجئين اليهود، حين أقيمت عام 1938 على مقربة من منزله معسكرات عبور للاجئين الذين سُلبت منهم كل ممتلكاتهم. وكانت أولى مبادراته استقبال مجموعة من الشبان اللاجئين في المؤسسة. وبعد ثماني سنوات من العمل فيها، انتقلت أسرة فسترڤيل إلى روتردام، إلى مدرسة ماريا مونتيسوري. وكانت الطريقة تقوم على التعلم الذاتي الذي يعبر عن طبيعة كل طفل. وتطلبت هذه الطريقة من المربين بذل جهد للتعرف إلى كل طفل معرفة شخصية وعميقة، ولذلك كان من يتبعها معتادا على الإصغاء والانتباه بحساسية تفوق المعتاد.

أنقذ يوب أكثر من 300 فتى، وغرس فيهم إلى جانب إنقاذهم رؤية وفكرة الرسالة التي يحملونها. وطالب المجموعة الأولى التي هُربت إلى إسبانيا ألا تنسى من ساعدوهم على عبور الحدود في طريقهم إلى أرض إسرائيل، وألا يقطعوا صلتهم بهم. وتحدث معهم عن مسؤوليتهم تجاه المستقبل، وعن العمل الذي سيقومون به عند وصولهم إلى أرض إسرائيل، وعن بناء عالم جديد، عالم من الحرية والتفاهم والأخوة والعدالة: «أنتم على أعتاب التحرر؛ وقريبا ستصلون إلى أرض الحرية، وستتحقق أمنيتكم في بناء أرض إسرائيل وطنا لكل يهود العالم. أتمنى لكل واحد منكم السعادة والنجاح، لكن لا تنسوا رفاقكم الذين سقطوا في الطريق، ومهدوا لكم سبيل الحرية بتضحيتهم بحياتهم. ابنوا أرضكم، وأقيموا لهم نصبا يخلد ذكراهم. تذكروا شوشو وكورت هانيمان وجميع الأصدقاء الذين بذلوا أرواحهم لإنقاذ رفاقهم. تذكروا معاناة العالم، وابنوا أرضكم لتكون مصدرا للحرية وحق العيش لكل من يقيم فيها، ولئلا تعرفوا الحرب بعد الآن. أتمنى لكم جميعا عبورا موفقا إلى حياة الحرية والسعادة».

أراد يوب أن يحمل الناجون على عاتقهم مواصلة النضال بوصفه أمرا ساميا وعادلا وخيرا: «كان عظيما، مؤثرا، أشبه بنبي. حتى أبسط كلماته كانت تنطوي على معنى عميق بعيد النظر. لم يجعل نفسه قط محور الحديث، بل جعل القضية العادلة والسامية والإنسانية في المركز»، كما روى أحد الناجين. ووصف الحدث في صحيفة هولندية: «هبّت ريح عاتية وعوت. وقف سبعون من الشبان خارج الثكنة القديمة، ولم ينبسوا بكلمة. وثبتت أنظارهم على رجل قصير القامة، عريض الكتفين، تتطاير خصلات شعره في كل اتجاه. وكان الإرهاق باديا على جفنيه، إرهاق ليال بلا نوم. ليال قطع فيها الحدود الأوروبية في رحلات تهريب. راحت عيناه المتعبتان تنظران إلى كل واحد منهم، وتهمسان لكل واحد قبل أن يبدأ كلامه...».

الاعتقال والتخليد

كاد يُعتقل مرات عديدة، لكن الثقة بالنفس التي أظهرها وتعدد تنكراته ساعداه على الإفلات من الاعتقال. ورغم أنه كان يشعر باقتراب الخطر، واصل نشاطه حتى بعد اعتقال زوجته فيل.

في مارس 1944، حين حاول تهريب الفتاتين اليهوديتين من مجموعة لوسدرخت، تيا بيرلموتر وروثيل ديركتور، إلى فرنسا برفقة باوكه كونينغ، أُلقي القبض عليه عند معبر الحدود الجنوبية، في طريقه إلى مدينة أيفتهخن. وكان أفراد المجموعة يعدون هذا المكان من أخطر المواقع بسبب تضاريسه. وبدأت مع اعتقاله خمسة أشهر من التعذيب والاستجواب والحبس الانفرادي. وكان المقصود من التعذيب انتزاع أسماء أعضاء المقاومة الآخرين منه، لكن يوب صمد ببسالة ولم يفش بأحد: «أنتم تعرفون أنني لن أخونكم، وأنا واثق من ذلك في كل الظروف والأحوال»، كتب إلى أصدقائه في إحدى الرسائل التي تمكن من تهريبها إليهم بمساعدة طبيب السجن. وفي قصاصات أخرى نجح في تهريبها، استفسر عن مصير الفتيان الذين أنقذهم. وكتب في إحدى الرسائل: «أنا شخص بسيط جدا، فلا تُضفوا على شخصيتي طابعا مثاليا أبدا. عليّ أن أجتاز هذه الأيام العصيبة وأصمد فيها، وإن صدر في النهاية حكمي، يا أصدقائي الأعزاء، فسأمضي كرجل». وفي كل رسالة، كان يشجع أصدقاءه على مواصلة عمليات الإنقاذ: «لو تعلمون كم أرغب بشدة في البقاء على اتصال دائم بكم، ومعرفة كل تفصيل، والعمل معكم مجددا شريكا فاعلا. يا أصدقائي الأعزاء والأوفياء، أفكر فيكم كثيرا، وأبعث إليكم بمشاعري العميقة». وكتب في رسالة أخرى: «وإن لم نلتق مجددا، فلتكن أعمالنا المشتركة سندا مقدسا لكم طوال حياتكم. بارككم الله». لم يكن الموت أمنية يوب. وقد خطط للهرب مع أصدقائه. وكان الحراس يراقبونه بشدة. وحين قُبض عليه، كان كثيف اللحية ويحمل بطاقة هوية لمهرب محترف آخر كان الألمان يبحثون عنه، وكان لقبه بالفرنسية «لو ليفر» (الأرنب). وقد نُسبت إلى يوب في سجلات الغستابو جرائم كثيرة وخطيرة ارتكبها ذلك الرجل، منها أعمال تخريب، بل وحتى قتل شرطي.

جرت محاولات عديدة لإنقاذه. وصل صديقه يان سميت، بمساعدة أحد حراس السجن في أيفتهخن، وتمكن من مقابلته على انفراد. وخططا لهروبه أثناء نقله إلى روتردام للتحقيق، لكن المحاولة فشلت لأن نقله جرى قبل الموعد المقرر. وفي خطة أخرى، شارك طبيب في معسكر فوخت، فتظاهر بأن يوب مصاب بنزيف في المعدة. وكان من المقرر أن يرسل يوب إلى مستشفى في روتردام، حيث يتولى أصدقاؤه تهريبه، لكن هذه الخطة فشلت أيضا لأنه نُقل إلى مستشفى السجن لا إلى مستشفى روتردام. وفي الوقت نفسه، جرت محاولات عدة لترتيب لقاء بين يوب وزوجته فيل، وفي إحداها تمكنا حتى من رؤية أحدهما الآخر عن بعد، وبينهما سياج من الأسلاك الشائكة.

في أبريل 1944، وعلى إثر وشاية، اعتُقل كثير من أعضاء المقاومة، وبدأ التنظيم ينهار. وكان ناشطوه أحد عشر هولنديا وأربعة عشر يهوديا، شبانا عملوا يدا بيد، تجمعهم وحدة الفكر والعمل. وقُبض عليهم واحدا تلو الآخر واعتُقلوا في هولندا وباريس.

أُعدم يوب مع ثلاثة من رفاقه في السجن، عقابا على اغتيال قائد لقوات الإس إس في هولندا، وهي جريمة لم يرتكبها قط. وانتهت حياته عن عمر يناهز 45 عاما. وعلمت زوجته فيل بوفاة حبيبها من إحدى صديقاتها، التي كانت صديقة لأحد الكابو في معسكر فوخت. وروت لفيل كيف سار يوب إلى المشنقة منتصب القامة مرفوع الرأس، وبث روحه في رفاقه أيضا. وروى طبيب كان سجينا في المعسكر نفسه كيف شق صوته الواضح جدران الملجأ في الليلة الأخيرة، بعدما عرف يوب بحكمه، وهو يتلو قصيدة الحرية التي أحبها.

في عام 1964، مُنح يوب فسترڤيل ورفاقه لقب البار من الأمم. وفي عام 1947، زُرعت في جبال أفرايم غابة تذكارية باسم يوب فسترڤيل، وتعمل في أمستردام مدرسة ابتدائية تحمل اسمه.

جاءت مارثا، ابنة يوب، إلى إسرائيل، وتزوجت إسرائيليا واختارت أن تعيش هنا.

أنا من نسل رجل أنقذه يوب. هذه صورة لأطفال مجموعة التدريب حين وصلوا إلى هولندا قادمين من ألمانيا. جدي، واسمه آنذاك ماكس كِشّوبِر، يرتدي قميصا ذا مربعات، في الصف الثاني من الأسفل، الثالث من اليسار. لم ينج من الحرب سوى 23 منهم.

كان جدي، الذي اتخذ لنفسه اسم موشيه كيني بعد هجرته إلى إسرائيل، سكرتير كيبوتس جلعاد، وأنشأ تخليدا لذكرى يوب غابة فسترڤيل قرب الكيبوتس، إلى جانب نصب تذكارية أخرى أقامها أطفال فسترڤيل، كما كانوا يسمون أنفسهم. وقد صممها جدي، إذ كان مهندس تنسيق حدائق.

صور من القصة: יופ וסטרוויל
מגדל שמירה במחנה פיכט (Vught) בהולנד, שבו הוצא וסטרוויל להורגצילום: MyrtheD, CC BY-SA 3.0 nl, ויקישיתוף