كانت قصة حب ذاع صيتها في وسائل الإعلام. قصة حب هزت المدينة كلها، وما زالت محفورة في الحجر حتى اليوم. إنها قصة حب ليئا أبو شديد وإتمار بن آفي.
كانت قصة حب ذاع صيتها في وسائل الإعلام. قصة حب هزت المدينة كلها، وما زالت محفورة في الحجر حتى اليوم. إنها قصة حب ليئا أبو شديد وإتمار بن آفي.
وُلدت ليئا أبو شديد سنة 1889 في القدس لعائلة ميسورة الحال هاجرت من المغرب. كانت ابنة رحاميم ورينا، ابنة الحاخام حاييم نسيم باروخ، الذي كان رئيس المحكمة الحاخامية للطائفة السفاردية. أما شقيقها الأكبر، أبراهام، فكان من أوائل الأطباء المولودين في أرض إسرائيل. في تلك الفترة، لم يكن معظم يهود القدس متدينين فحسب، بل كانوا سفارديم أيضا. وكان أبرزهم وأرفعهم مكانة من السفارديم الخُلّص، وهو ما كان دليلًا على عراقة النسب.
كان مقررا أن تتزوج ليئا شابا من السفارديم الخُلّص من عائلة فاليرو الثرية، أو من عائلة شلوش، أو على الأقل شابا سفارديا آخر من طبقة القدس العليا. لكن من أحب ليئا حبا شديدا متقدا، حبا بلا حدود، كان إتمار، وهي أحبته.
وُلد إتمار سنة 1882 في البلدة القديمة بالقدس. وهو ابن محيي اللغة العبرية إليعازر بن يهودا، الذي كان مكروها لدى الأشكناز، الذين زعموا أن العبرية لغة مقدسة، خُصصت للصلاة لا للاستعمال اليومي.
لأنه وُلد في كنف اللغة العبرية، لُقب إتمار بـ"الطفل العبري الأول". وحرص والداه على ألا يسمع لغة أجنبية، فحُكم على إتمار الصغير بألا يغادر منزله، الأمر الذي جعله لا يتكلم حتى بلغ الثالثة من عمره.

لكنه، ما إن بدأ الكلام، حتى ظهر أنه طفل موهوب، واخترع كلمات مثل أبيه، منها "سيفيفون" (بلبل)، و"مفيت" (منديل)، و"راعشان" (خشخيشة)، وغيرها.
في سن العاشرة، تيتم إتمار بعد وفاة أمه دبورا، وتزوج أبوه إليعازر من أختها حمدا.
اشتهر إتمار بن آفي بكونه خطيبا موهوبا. وعمل محررا لصحيفة "هأور" التي أسسها أبوه، والتي تحولت في ذلك الوقت إلى صحيفة يومية. ثم أسس صحيفة "دوار هيوم" وتولى تحريرها.
الخطبة عبر الصحيفة
اكتسب إتمار معظم شهرته بفضل قصة حبه لليئا. عارض والدا ليئا هذه الزيجة الغريبة معارضة قاطعة. فكيف يمكن لفتاة المدينة الثرية والجميلة، التي يسعى إلى خطبتها أثرياء القدس ووجهاؤها جميعا، أن تمنح يدها لرجل تجتمع فيه كل العيوب: علماني، يكبرها بسبع سنوات، أشكنازي، من عائلة مكروهة، وشاب فقير من بيت لا يُحسد عليه؟
قاسى إتمار النبذ الاجتماعي منذ طفولته، فاشتد عوده. أحب ليئا حبا شديدا، وكان مستعدا للذهاب بعيدا كي يفوز بها. وكان سلاحه المتاح هو الصحيفة، فراح ينشر لها قصائد حب ملتهبة على صفحات صحيفته "هأور". وأهدى إلى ليئا تلك القصائد المكتوبة بعبرية ثرية وشاعرية، وناداها فيها باسم "إيلا"، وهو إعادة ترتيب لحروف اسمها، أو "إلهتي".
وكتب، ضمن ما كتب: "لو أنك أحببتني يا إلهتي كما أحببتك أنا، لو ارتبكت في النهار وجننت في الليالي، لو اضطرب قلبك من ثورة الدم، واغرورقت عيناك بالدموع تحت جفنيهما، لو حلمت بسعادة أبدية ثم استيقظت مذعورة، ولو لمع البرق في عقلك المتعب، آه، لربما كنت فهمت".
أثارت قصائد الحب هذه حرجا شديدا لعائلة أبو شديد. في ذلك العصر، كانت هذه هي القصة الساخنة التي استأثرت باهتمام كبير، وكان المجتمع اليهودي الصغير في البلاد يتابع قصة الحب بترقب. وبعد ثلاث سنوات من محاولات التودد العقيمة، لم يعد إتمار قادرا على احتمال عذاب حبه، وفي سنة 1910 كتب قصيدة "مسدسي": "منذ أن أحببتها وقلبي موجوع، لا يغيب المسدس عن ناظري، بين كتب روحي، على مكتبي الحبيب، يتنفس الموت من أجلي. فقد سئمت كل شيء، حتى حبيبتي الجميلة التي اختارت أن تعيش من دوني. تمهلي لحظة أخرى، آه يا جميلتي، لحظة واحدة فقط وستبكين حتى تفيض دموعك".

أثارت القصيدة ضجة كبيرة بين سكان القدس، وكانت المرة الأولى التي يتدخل فيها والد إتمار، إليعازر بن يهودا، فيما يجري. فسارع إلى التوجه إلى ألبرت عنتابي، أحد أبرز القادة والناشطين في البلاد، وكان مقربا من عائلة أبو شديد ومن شقيق ليئا، الطبيب أبراهام. وبوساطته، توجهت الأم إلى ليئا وسألتها عن رغبتها. فأجابتها ليئا: "لن أعصي أمرك، لكنني لن أتزوج رجلا آخر". وبإجابة ليئا، وافقت الأم على قبول "الحكم المحتوم"، وعلى السماح لابنتها بالزواج بمن اختاره قلبها. وهكذا، وبعد خطوبة دامت سنتين، تزوج الاثنان.
كُتبت أغنية دودي باراك ونوريت هيرش "حب إتمار بن آفي" عن قصة حب ليئا أبو شديد وإتمار بن آفي:

ها هو الارتعاش يعود فيمر على قفاي / كيف تحدث الحب قديما في مدينة القدس، رجل طاهر طاهر / أحب حبا موجعا وتألم بغضب وهذا شأن حبه / يعلو لهيبا وقد سمعت به أميرته / ليئا الحبيبة أحب ليئتي رغم إرادتها / ليتني أستطيع أن أذهب إلى بيتها أحبك كثيرا / أقبلك كثيرا لو أنك أحببتني يا ليئتي / أحيا لك وأموت
وصفت دبورا عومر قصة الحب العاصفة هذه في كتابها "حب إتمار".
رُزق الزوجان بثلاث بنات: توفيت الكبرى في الرابعة من عمرها، أما الوسطى فهي درورا بن آفي، التي كانت موظفة كبيرة في "صوت إسرائيل"، وتزوجت أيضا من المذيع الأسطوري موشيه حوفاف. وابنهما هو جيل حوفاف، مقدم برامج تلفزيونية وصحفي وناقد مطاعم ومؤلف كتب طبخ.
سنوات الفراق والذاكرة
في سنة 1939، تدهور الوضع المالي لإتمار إلى الحضيض، فتوجه إلى أصدقائه طالبا المساعدة. ولما لم يمد أحد إليه يد العون، غادر مع أفراد عائلته إلى الولايات المتحدة. وبعد نحو أربع سنوات من مغادرتهم البلاد، توفي إتمار معدما. وفي سنة 1947، نُقل نعشه إلى القدس ليدفن في جبل الزيتون.
وبعد سنوات، أجرى جيل حوفاف مقابلة مع جدته ليئا:
جيل: "حقا يا موما (لقب جدته)، لم أفهم قط لماذا اخترت عريسا فقيرا ومجنونا كهذا، مع أنك كنت تستطيعين الزواج بأثرياء ذلك العصر".
ليئا: "لا تقل مجنونا، يا وقح! لكنني سأشرح لك. كان بنسيون (أي بن تسيون كما كانت تلفظه) فقيرا جدا حقا، لكن ماذا كنت سأجني من الأثرياء؟ الأول، فاليرو، كان بخيلا إلى حد لا أعرف كيف أصفه. أما الثاني، شلوش، فكانت أمه تملي عليه ما يفعله في كل لحظة، ولا أستطيع احتمال رجل كهذا. والثالث سافر إلى القسطنطينية وخسر كل أمواله. كان بنسيون فقيرا حقا، لكن قلبه كان واسعا على الأقل. ذات مرة كنت أجلس مع أمي في الشرفة، وفجأة سمعنا ضجة في الشارع. قالت أمي: 'لقد جاء المجنون'. هكذا كانت تسمي بنسيون. وبالفعل، رأيت بنسيون في الأسفل مع بعض العمال، يحملون طردا كبيرا. قال لي بنسيون: 'لا أطيق أن أراك تخيطين في الظلام، ها قد اشتريت لك ماكينة خياطة'. كنت أعرف أنه مجنون، حسنا، لكنك لا تستطيع أن تتخيل كم كان ثمن ماكينة الخياطة آنذاك، ولا سيما أنها من سنجر. مئات الفرنكات، وهذا من بنسيون، الذي كانت أختي شبرلا تعطيه بعض القروش ليشتري حذاء".
نعم، كان كريما حقا، كريما بالتأكيد. لكنه كان كريما على حسابي. حتى بعد ست سنوات من زواجي، ظللنا نسدد أقساط ماكينة سنجر".
وفي نهاية المقابلة، قالت ليئا: "نعم، كان بنسيون كريما. لا تظن أنه عذّبني، حتى وإن شكوت. كان وسيما، وكان كالنار، وكانت النساء كلهن يسمينه أمير يهوذا. وظل كذلك حتى مات المسكين. وحتى في سنواته الأخيرة... كان بنسيون مريضا جدا، ومع ذلك... كان في غرفة النوم... ما شاء الله عليه!".
توفيت ليئا بعده بنحو 40 سنة، في سنة 1982، ودُفنت إلى جانب حبيبها. ونُقش على شاهد قبرها: "أجمل البنات، أسرت سكينة مضجع فارس شبابها".






תגובות
עדיין אין תגובות.