أول مربية أبقار في الحركة الكيبوتسية، وأول امرأة تتزوج في دغانيا، بل وأول من تلد فيها. أدارت فرع تربية الأبقار في المجموعة، وسيطرت عليه سيطرة تامة، وحرصت على أن تعمل فيه النساء وحدهن.

بداية دغانيا أ

انتمت مريم إلى المجموعة الأولى التي استقرت على أرض أم جوني. آمنت المجموعة بأن العمل في الأرض وحده يحرر اليهودي في الشتات من حياة الشتات، ويربطه بالبلاد، ويخلق إنسانا جديدا سليما في جسده ونفسه. كما آمنت بالمساواة بين الناس وبالمساواة في العمل، وبالتكافل المتبادل وإنشاء أسرة كبيرة داعمة. وهي المجموعة التي أقامت عام 1910 دغانيا أ - أم المجموعات والكيبوتسات.

كانت مريم برتس واحدة من عضوتين في «كومونة الخضيرة»، النواة المؤسسة لمجموعة دغانيا. تألفت المجموعة من عضوتين وعشرة أعضاء. صحيح أن المجموعة دعت إلى المساواة بين الجنسين، لكن الهوة بين المبدأ والتطبيق كانت كبيرة، وقد رفضت مريم قبول هذه الهوة. فبالنسبة إليها، كونها امرأة وأما في المستقبل لم يكن قيدا، بل تحديا إضافيا عليها أن تتغلب عليه. وكانت مريم تعرف كيف تتغلب على العقبات.

صور من القصة: מרים ברץ
הכניסה לחצר הראשונים בקיבוץ דגניה א'צילום: ד״ר אבישי טייכר, CC BY 2.5, אתר פיקיוויקי

من أوكرانيا إلى أرض إسرائيل

ولدت مريم عام 1889 في أوكرانيا، لأبويها دفورا ويهودا يوسف أستروفسكي، وكان لها ثلاثة إخوة وأختان. تيتمت من أمها وهي في الثانية من عمرها. نشأت مريم منذ صغرها على مبادئ الصهيونية، وعرفت قصص الكتاب المقدس وحكايات أرض إسرائيل، ولذلك لم تستغرب حين قرر أخوها الأكبر، في السابعة عشرة من عمره، الهجرة إلى أرض إسرائيل، ثم لحق به أخواها: «حين كنت في الثانية عشرة، سمعت أخي يتحدث عن أرض إسرائيل، فتكونت لدي منذ ذلك الحين مشاعر معينة تجاه البلاد، وانصبت أفكاري عليها». وفي عام 1906، وقبل أن تبلغ السابعة عشرة، هاجرت مريم إلى البلاد.

بعد هجرتها إلى البلاد، انضمت إلى جدها وأبيها اللذين سبقاها إليها. اشترى أبوها قطعة أرض زراعية كبيرة في المكان الذي ستقام فيه كفار سابا لاحقا، وللأسف أرسلت مريم للعمل في مطبخ المطعم الذي افتتحه جدها. جربت مريم حظها في مستعمرة بتاح تكفا، لكنهم لم يقبلوها هناك أيضا لأنها امرأة. إلا أن فتاة مثل مريم لم تكن لتتخلى عن حلمها. التحقت بالفلاح يعقوب كارول، الذي قبلها للعمل في مشتل العُقَل النباتية، وبدا أن حلمها بالعمل في الزراعة في أرض إسرائيل قد تحقق، لكنها واصلت البحث عن عمل لأن الوظيفة كانت بدوام جزئي. تعرفت في بتاح تكفا إلى أعضاء كومونة الخضيرة، الذين كانوا يعملون آنذاك في بساتين المستعمرة، وطلبت الانضمام إليهم والعمل في الحقول عندما يصلون إلى كينيرت، لكنهم اقترحوا عليها العمل في المطبخ، فرفضت ذلك. عندما مرضت صديقتها سارة ملكين، التي كانت تدير شؤون المنزل في باحة كينيرت، انضمت مريم إلى الكومونة في كينيرت وحلت محلها في عملها، كما عملت في المزرعة والحقول. كانت تبدأ العمل في الثالثة فجرا وتنهيه في المساء. وعندما عادت سارة ملكين إلى العمل، خرجت مريم مع بعض رفاقها لتأسيس مستوطنة متسبيه، ثم انتقلت بعد نحو شهرين إلى الخضيرة. بدأت العمل في الزراعة، وبعد أن أثبتت للجميع أنها كفؤة ولا تقل عن الرجال، ساووا أجرها بأجورهم.

عندما أصيبت مريم بالملاريا، أرسلت لتلقي العلاج في زخرون يعقوب، حيث التقت يوسف برتس، وهو حجّار من عتليت كان يتلقى العلاج هو الآخر. اشتعل الحب بينهما وخُطبا. انتقلت الكومونة من باحة كينيرت إلى أم جوني. كان أبو مريم قد عاد في هذه الأثناء إلى أوكرانيا، وخشي على حياتها وطلب منها أن تأتي لزيارته. وحين وصلت، أخذ أبوها جواز سفرها، وأغلق بذلك طريق عودتها إلى البلاد. لكن مريم العنيدة هربت إلى بيت والدي يوسف برتس، اللذين كانا يعيشان في مدينة أبيها، وهناك تعرفت إلى رائد يحمل جواز سفره اسم ابنته ذات الاثني عشر عاما. تنكرت مريم في هيئة ابنته وعادت إلى حبيبها في أم جوني.

النضال من أجل المساواة

حتى في حياتها اليومية، ناضلت مريم من أجل مبدأ المساواة. وقالت: «كان مبدأ العمل والمشاركة في الحياة العامة... معركة تطلبت تضحيات من النساء، معركة ضد رفاق سلكنا معهم الطريق منذ بدايته، ممن عارضوا عمل النساء في الزراعة، وكانوا أحيانا يخجلون... من التعبير عن معارضتهم بصوت مسموع، بل كانوا يتلعثمون قليلا... لم نكن لنحقق شيئا بالكلام. كان علينا أن نثبت ذلك بأفعالنا اليومية... لم يكن أمامنا سبيل آخر في نضالنا...». ورأت أن المعركة انتهت بالنصر: «... أنا واثقة من أننا خرجنا من هذه المعركة منتصرات. أثبتنا لأنفسنا أننا قادرات على العمل، وأثبتنا ذلك للمجتمع كله».

لم تكن مريم كثيرة الكلام، بل امرأة عمل. اختارت العمل في حظيرة الأبقار: «كنت وثيقة الصلة بكل بقرة، وكل بقرة حملت... وكل عجلة ولدت كانت تجربة عظيمة بالنسبة إلي... كان للكفاح الشاق من أجل الإبداع طعم، وكان النضال من أجل كل شيء، صغيرا كان أم كبيرا، يستحق العناء، وكل ذلك زاد ارتباطنا بهذا الفرع... أظن أن شبابنا يسمون الآن كل ما أرويه «صهيونية». لقد منحت هذه الصهيونية حياتنا معنى».

عندما بدأت مريم العمل في حظيرة الأبقار، كانت البلاد تخطو خطواتها الأولى في تربية الأبقار للحلب. لم يكن «القطيع» الذي تسلمته مريم عام 1910 يضم سوى بقرة واحدة. وقد تعلموا آنذاك حلب الأبقار من الألمان (التمبلريين). في البداية، تعلم اثنان فقط من أعضاء المجموعة فن الحلب، ورفضا السماح لمريم بحلب البقرة، خوفا من أن تقتلها البقرة العربية الهائجة. تعلمت مريم مهنة الحلب من زكية، زوجة أبي رحيم، الشيخ المسن لقرية أم جوني، وروت ذلك قائلة: «لم أجادل كثيرا، بل فكرت في شتى الحيل لتحقيق ما أصبو إليه. وفي المساء نفسه تعرفت إلى زكية، زوجة شيخ القرية... وأخبرتها برغبتي، ففهمتني هي، المرأة العربية، وعلمتني الحلب. اتفقت معها على أن أطرق الجدار في الثالثة ليلا... فتأتي وتعلمني الحلب. لكن لكي تعطيني البقرة حليبها، كان علي أن أرتدي ثوبا عربيا وغطاء للرأس، وأن أتمتم لها لحنا عربيا، وهكذا أعطتني حليبها». كانت تلك أخوّة نسائية تتجاوز حدود الشعوب. وفي اليوم التالي، عندما وصل تنحوم، مدير الحظيرة، كان الحليب قد صار جاهزا على الموقد، وعرف الجميع أن لمريم يدا في الأمر. ومنذ تلك اللحظة، تولت مريم مسؤولية حظيرة الأبقار.

الحظيرة والعائلة

في عام 1912، تزوجت مريم أستروفسكي ويوسف برتس. وكان ذلك أول زواج في المجموعة. وفي العام نفسه، انتقلت الكومونة إلى منازل دغانيا الدائمة. كان القطيع قد كبر وأصبح يضم 32 بقرة، وكانت الحظيرة توفر كمية يومية من الحليب، يستخدم الأعضاء نصفها ويحولون النصف الآخر إلى زبدة وأجبان. وفي العام التالي، ولد ابنهما جدعون، وهو بكر الزوجين برتس. كان جدعون أول طفل يولد في دغانيا، ورأته المجموعة طفلا للجميع. واقترحوا في نقاش عقدوه أن يسموه آدم، لأنه أول طفل يُولد في المجموعة، فكأنه آدم الأول. وفي النهاية قرروا تسميته آدم جدعون.

في عام 1914، تفشى الطاعون في البلاد وأبيد القطيع. أخذت مريم الأمر على محمل شخصي وقررت أن تتعلم علاج أمراض الأبقار على يد يتسحاق فولكاني (الذي سمي «معهد فولكاني» باسمه) في بن شمن. كانت مريم آنذاك أما لطفلين: جدعون، البالغ من العمر عامين، ودفورا، التي كان عمرها شهرين. وصلت إلى بن شمن مع طفليها، ودرست هناك تسعة أشهر. وحين كانت تحلب الأبقار ليلا، كان الطفلان يظلان وحدهما في غرفتهما: «كان الأمر غريبا في نظر أهل بن شمن، ولا سيما النساء. كن ينظرن إلي بازدراء... وكنت أعرف أن أهل البيت لم يوافقوا هم أيضا على ما فعلت، وأنهم وجهوا إلي انتقادات لاذعة (خوفا على الأطفال)».

عندما أنهت دراستها في مزرعة بن شمن، عادت مريم إلى المجموعة ومعها عشر بقرات وعجلات، وبدأت تعيد تشغيل هذا الفرع. أصبحت حظيرة الأبقار الفرع الرئيسي في المزرعة، وبدأ الأعضاء يضغطون على مريم لتقبل عاملات إضافيات: «معمل الألبان هو الفرع الرئيسي في المزرعة... وهو الفرع الأكثر تكلفة، وينبغي أن يدر علينا أكثر... لقد قطعت مريم شوطا في اكتساب المعرفة الكاملة... ولذلك عليها أن تواصل»، هكذا قال الرفيق يتسحاق بن يعقوب في اجتماع الأعضاء.

بين عامي 1923 و1925، كان في حظيرة دغانيا 55 رأسا من الأبقار، وسافرت مريم إلى هولندا للتدريب، تاركة أطفالها الخمسة مع زوجها يوسف. وقبل سفرها، سألها أحد أعضاء المجموعة: «كيف تجرئين على ترك خمسة أطفال صغار والسفر؟ قلت له: أولا، أريد أن أتعلم المهنة لكي أتمكن من تربية قطيع أبقار جيد في دغانيا، وثانيا، لماذا لا تسأل يوسف برتس، الذي يعمل في الشأن العام منذ 7-8 سنوات... كيف يترك أطفاله ويسافر؟» (كان يوسف من مؤسسي «جمعية من أجل الجندي»، وعضوا في الكنيست الأولى). وفي عام 1936، سافرت مريم إلى الولايات المتحدة للتدرب في مزارع الأبقار الكبيرة والتخصص في تعلم علاج مرض الحمى القلاعية. وكانت آنذاك، في الرابعة والأربعين من عمرها، أما لسبعة أطفال. وفي العام التالي، فازت حظيرة الأبقار التي تديرها بجائزة «أعلى إنتاج لمحتوى الدهن في قطعان الأبقار في أرض إسرائيل».

إلى جانب قوتها الكبيرة وعزيمتها، كانت مريم امرأة فائقة الجمال. وحين كان زوجها يوسف في مهمة لجمع التبرعات لصالح «جمعية من أجل الجندي»، حاول أحد الرواد، وقد أساء فهم تصرفها، أن يضع يده عليها. فتلقى منها صفعة مدوية. وكانت الصفعة قوية إلى حد أنها تركت أثر يدها على وجهه مدة طويلة، ولم ينبت الشعر في موضعها. دخلت هذه الحادثة في أساطير المجموعة، وقيل عنها إن الموضع الذي تصفعه لا ينبت فيه الشعر أبدًا.

حولت مريم حظيرة الأبقار إلى معقل نسائي، وأُنيطت مسؤوليتها بعضوات المزرعة وحدهن. كان الحلب آنذاك يدويا ويتطلب جهدا كبيرا، وكان لكل بقرة حالبة دائمة. واعتزت العاملات اللواتي أشرفت عليهن بوحدتهن. عُدت الحالبات وحدة نخبة في فرقة مريم الاستطلاعية، التي ضمت، من بين أخريات، نحاما فاينر وأليزا نول ورفكا ليس، وكن أفضل العاملات في الحظيرة. ونشأت في الحظيرة أجواء حياة مميزة: «كنا كثيرا ما نرافق الحلب بغناء خافت، رومانسي... وكأن حياتنا كلها نسجت في الحظيرة. عم تحدثنا أثناء الحلب؟... عن الحزن والفرح... عن كل شيء. كانت متعة العمل من نصيبنا». أصبحت حظيرة الأبقار حلم النساء، وكانت مريم تختار العاملات فيها بعد انتقاء دقيق، كما لو أنها تختار مقاتلين لفرق استطلاعية.

ارتدت حالبات مريم ما يشبه زيا خاصا بهن، وكان يميزهن خارج الحظيرة وخارج دغانيا. وكان ذلك «بنطال نحاما»، وهو بنطال يصل إلى الركبتين وينتهي برباط مطاطي، وسمي باسم نحاما فاينر.

عمل أربعة من أبناء مريم أيضا في حظيرة الأبقار، وكانت مطالبها منهم أعلى من مطالبها من الآخرين. أما صهرها إليعيزر غال، الذي تزوج ابنتها ميخال، فقد جاء عاملا أجيرا في الحظيرة، واضطر إلى اجتياز امتحانات لديها. لم تثق به فورا، لكنها تركت العمل عام 1956، بعد أن أدارت هذا الفرع مدة 44 عاما، وسلمته إليه.

توفي يوسف برتس عام 1968 عن عمر 78 عاما، بعد مرض طويل. وبعد عامين من وفاة زوجها، عادت مريم من العمل في المطبخ، واستلقت لترتاح ولم تنهض. توفيت عن عمر 81 عاما.

تركت برتس وراءها أسرة كبيرة: سبعة أبناء - جدعون، ودفوركه، وعموس، ويويا، وبيا، وميخال، وإيلي، وأسرهم، وأحفادهم وأبناء أحفادهم.

صور من القصة: מרים ברץ
מצבתה של מרים ברץ בבית הקברות של קיבוץ דגניה א'צילום: Hanay, CC BY-SA 3.0, ויקישיתוף