سلالة عائلية واسعة جمعت بين الأعمال والاستيطان، وتركت بصمتها في تل أبيب، وغعش، ويافا، وتل هشومير، وحتى في قرية جيوس في السامرة.
من أوديسا إلى يافا
في عام 1909، بعد أيام قليلة من عيد الأسابيع، وضع رؤوفين سيغال، وهو من الشباب المؤسسين لمدينة تل أبيب، حجر الأساس لمنزله في شارع يهودا هليفي 25 (يقع اليوم برج بنك ديسكونت). كان سيغال أول من خرج إلى الرمال وبدأ بناء أول منزل في أول مدينة عبرية. وكان عضواً في محفل «البناؤون الأحرار» الذي انتمى إليه كثير من القادة، من بينهم الرئيسان جورج واشنطن وبنجامين فرانكلين، و14 من الموقعين على دستور الولايات المتحدة، ووينستون تشرشل، وحتى زئيف جابوتنسكي. وكان بين أعضاء المحفل أيضاً عدد غير قليل من الشخصيات المعروفة في مجالاتها، مثل فولتير وغوته ونيوتن وموزارت وهايدن وهوديني. انضم سيغال إلى المحفل قبل ثلاثة أشهر من مراسم وضع حجر الأساس، في محفل البنائين الأحرار «برقاي» الذي تأسس عام 1906 في يافا، وكان يعقد اجتماعاته في منزل يعقوب ألحانان ليتفينسكي، الذي كان هو أيضاً من مؤسسي حي أحوزات بيت وأكبرهم سناً. وعندما انتقل ليتفينسكي وأفراد أسرته للسكن في «أحوزات بيت»، صار المحفل يعقد اجتماعاته في منزله الجديد في شارع أحد هعام 22. كان المنزل من أوائل المنازل في الحي، وأكبرها وأكثرها اتساعاً وفخامة، وهو من المنازل القليلة التي لا تزال قائمة، بل خضع أيضاً لترميم شامل.
وُلد يعقوب ألحانان عام 1852 في مدينة أوديسا الساحلية بأوكرانيا (التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية القيصرية). نشأ في أسرة يهودية ميسورة مكّنته من دراسة المواد العامة والعلوم الدينية. ومنذ صغره، انجذب يعقوب إلى الفكرة الصهيونية، وكان من أوائل المنضمين إلى حركة «أحباء صهيون» في مدينته. وعندما كبر، تخصص في التجارة وتزوج زوجته الأولى التي أنجبت ابنته البكر بيلا. وفي عام 1880، بعد أن ترمّل، صفّى يعقوب ألحانان أعماله في أوديسا وهاجر إلى البلاد وهو في الثامنة والعشرين، ضمن الهجرة التي عُرفت لاحقاً باسم «الهجرة الأولى». استقر في يافا وتزوج سارة بيلا (بليندا) فنكلشتاين، ابنة أرييه ليب فنكلشتاين، رئيس الجالية اليهودية في بوردو، وكانت يومها في الثامنة عشرة. ورُزق الزوجان بثلاثة أبناء.
كانت إحدى محاولاته التجارية الأولى في البلاد إنشاء مطحنة دقيق في غزة، لم تطحن في معظمها سوى أمواله ومدخراته. وبعد هذا الإخفاق، عاد يعقوب ألحانان إلى يافا وأنشأ فيها مصنعاً للصابون. وفي عام 1886، انضم إلى الموجة الثانية التي نظمت لإقامة مستعمرة ريشون لتسيون، وكان من بين المستوطنين الثلاثة عشر الأوائل. حلم بأن يصبح مزارعاً واشترى في المستعمرة أربعين دونماً. وعندما واجهت المستعمرة صعوبات، بسط البارون روتشيلد حمايته عليها وأرسل إليها السيد أوسوفيتسكي، وهو موظف من قبله، ليديرها. وكانت العلاقات بين أوسوفيتسكي والمزارعين متوترة. وبعد وصول يعقوب ألحانان إلى ريشون لتسيون بقليل، اتُّخذ القرار ببناء مصنع نبيذ في البلدة، فأدرك أنه غير مؤهل للزراعة، وبالتأكيد ليس في ظل علاقته البائسة بموظف البارون المتغطرس. عاد إلى يافا وعمل في تجارة الأخشاب لدى يعقوب هرتسنشتاين، من جماعة البيلو. كان هذا أول بيت تجارة يهودي في هذا المجال في يافا، وقبله كانت تجارة الأخشاب في أيدي العرب والألماني برايش من المستعمرة الألمانية. أخذت الجالية اليهودية في البلاد تنمو، ومعها ازداد الطلب على الأخشاب. وعندما شعر يعقوب ألحانان بأنه أتقن أصول المهنة، انفصل عن هرتسنشتاين وافتتح بنفسه تجارة للأخشاب، أصبحت الأكبر من نوعها في يافا. وحين ازدهر عمله، أنشأ مصنعاً للبراميل الخشبية، ولبّى الطلب المتزايد من مصانع النبيذ في ريشون لتسيون وزخرون يعقوب.
كان يعقوب ألحانان أغنى وأكبر سناً من بين مؤسسي تل أبيب الستة والستين. وقد ساعدته صلاته بالحكم التركي مراراً، وبفضلها تمكن أيضاً من الحصول للدكتور موسينزون على رخصة بناء ثانوية هرتسلية. وكان يعقوب ألحانان كذلك من مؤسسي الكنيس الكبير في تل أبيب.
في عام 1916، في خضم الحرب العالمية الأولى، توفي يعقوب ألحانان ليتفينسكي ودُفن في مقبرة ترومبلدور. وانتقل الإرث الضخم إلى أبنائه الثلاثة: موريس، البكر، وإميل، وريموند، أصغرهم.
الأخوان في مصر والبلاد
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، اشتبهت السلطات العثمانية في رعاياها من ذوي الجنسية الروسية بأنهم يتعاونون مع العدو. وفي شتاء عام 1914، أصدر جمال باشا، القائد العسكري الأعلى للجبهة في فلسطين وسوريا باسم السلطات العثمانية، أمراً بترحيل الرعايا الروس إلى مصر. وقرر بعض الرعايا التوجه إلى مصر، وكان من بينهم الأخوان ليتفينسكي. وعندما وصلا إلى القاهرة، تعاونا مع البارون فيليكس دي منشه، الذي فتح لهما باب عالم التجارة. «بدأت حكاية ثراء العائلة خلال الحرب العالمية الأولى، عندما فر أبي (موريس) وإميل من الأتراك إلى مصر. بقي ريموند مع أمه في تل أبيب. وبدآ ممارسة الأعمال في مصر وهما شابان لاجئان. كان عقدهما الأول مع الجيش البريطاني لتوريد البصل. وفي وقت لاحق، حصل أبي على وكالة الوقود «شل»، التي أصبحت «باز» لاحقاً، في المنطقة وفي البلاد. وبالأموال التي كسبوها اشتروا أراضي من العرب. كانت الوكالة لأبي، لكن علاقته بإخوته لم تكن «لي ولك»، بل «لنا». أشرك إميل معه، ثم أشركا ريموند، الذي لم يكن يعمل كثيراً قط». هكذا روى القاضي حاييم ليتفينسكي، ابن موريس.
تعرّف موريس في القاهرة إلى رفقة كرمان وتزوجها. ورُزق الاثنان بابنين، حاييم وأبراهام، وبجاكلين التي توفيت في السادسة من عمرها. توفيت رفقة الأم عام 1945. وفي العام نفسه تزوج موريس للمرة الثانية من إيلا، ابنة موشيه ليفونتين. وعندما عاد الأخوان موريس وإميل إلى البلاد، سكنا في المنزل الكائن في شارع أحد هعام، وأصبحا الوكيلين العامين لشركة النفط «شل». عمل موريس كبيراً للمحاسبين في بنك «أنغلو-فلسطين» في يافا (بنك لئومي ليسرائيل اليوم). ثم كان من مؤسسي بنك «كوبات عام»، وتولى منصب أول رئيس لمجلس إدارة البنك. وفي عام 1930، مُنح موريس لقب «قنصل فخري» لإستونيا، ولذلك رُفع علم إستونيا فوق المنزل في شارع أحد هعام. أما ريموند، أصغر الإخوة، فانتقل إلى باريس.
تخصص إميل في شراء الأراضي. واشترى مع موريس 1700 دونم من أراضي قرية ساقية (أور يهودا اليوم)، شرقي يافا. وخطط إميل وموريس لإقامة مدينة حدائق هناك تحمل اسم والدهما وتُسمى «تل ليتفينسكي». واستعانا لهذه المهمة بالمهندس المعماري ريتشارد كوفمان، الذي كان قد صمم عدداً من أحياء الحدائق في القدس (بيت فيغان، وتلبيوت، وبيت هكيرم، ورحافيا، وغيرها). وقدم كوفمان للأخوين عدة مخططات لمنازل تغمرها الشمس وتناسب مناخ البلاد. وحصل بعض المشترين على موافقة لبناء المنازل بأنفسهم. قُسمت مساحة المدينة إلى ألفي قطعة، خُصص بعضها للمطاعم والنُزل والفنادق والمزارع الصغيرة. وفي السنوات الأربع الأولى من عمر مدينة الحدائق، أُقيمت 24 داراً اشتراها مهاجرون من ألمانيا. وشُيدت في الحي بنى تحتية من طرق وأرصفة، وغُرست فيه الأشجار وأُنشئت الحدائق، كما افتُتحت هناك مدرسة للأطفال ذوي صعوبات التعليم وللناجين من المحرقة. وقدمت عائلة ليتفينسكي أيضاً خدمات بلدية، مثل توفير المياه من البستان لتنظيف الأرصفة، وتوزيع البريد، وجمع النفايات، وغيرها. وإضافة إلى ذلك، شغلت العائلة خط حافلات خاصاً يمتد من تقاطع شارعي يهودا هليفي وألنبي في وسط تل أبيب إلى مجمع مدينة الحدائق. بدأ الخط رقم 70 عمله عام 1934 واستمر حتى عام 1974. وكانت الحافلة من طراز فولفو، جُلبت خصيصاً من السويد، وكان أول سائق لها روزينوف، الملقب «كونيا»، وهو يهودي هاجر من إستونيا، البلد الذي مثله الأخوان ليتفينسكي في فلسطين. وكان هذا خط الحافلات اليهودي الخاص الوحيد في البلاد آنذاك.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، صادَر البريطانيون من الأخوين 1200 دونم وأقاموا عليها معسكراً عسكرياً بالاسم نفسه، وأُقيم بجواره مستشفى خُصص للأمريكيين. وفي عام 1940، مع قصف الجيش الإيطالي، غادرت أسرة موريس منزلها في تل أبيب وانتقلت إلى تل ليتفينسكي. وفي وقت لاحق، وبمشورة بن غوريون، تحول «تل ليتفينسكي» والمستشفى إلى «تل هشومير»، نسبةً إلى منظمة «هشومير». وهكذا انتهى حلم مدينة الحدائق. حاول حاييم، ابن موريس، الذي كان قاضياً ومحامياً، أن يناضل لإعادة الاسم السابق إلى المكان، لكنه لم ينجح. ولم يبق من الحلم سوى لافتة صغيرة في شارع صغير شُيدت فيه المنازل الأولى، كُتب عليها: «شارع الأخوين ليتفينسكي، مؤسسي تل ليتفينسكي وتل هشومير وروادها».
وصودِر من الأخوين ليتفينسكي أيضاً 60 دونماً لإقامة قصر الثقافة ومسرح هبيما. وصودرت مساحة مماثلة في حيفا، حيث يقع اليوم حي رمات هدار، وكذلك أراضٍ قرب محطة القطار في القدس وفي أحد أحياء بيتح تكفا. وامتلك الأخوان أيضاً نحو 1800 دونم في قرية جيوس في السامرة، شرقي قلقيلية. زُرع 300 دونم منها ببساتين الحمضيات. وكانت للعائلة أيضاً 60 دونماً شمال حي شباك، زُرع فيها كذلك «بستان ليتفينسكي».
تل ليتفينسكي والقلعة
وبالتوازي مع مشروع «تل ليتفينسكي»، بدأ الأخوان مشروعاً آخر لم يبق منه اليوم سوى «القلعة». فعلى الجانب الغربي من الطريق الساحلي، قرب كيبوتس غعش، يقف مبنى منفرد من ثلاثة طوابق وسط الحقول، عُرف باسم «القلعة» (واستُخدم لاحقاً حديقةً للمناسبات بالاسم نفسه).
تبدأ حكاية القلعة عام 1928، حين اشترى الأخوان نحو 600 دونم من أراضي قرية إبليقية العربية في الشارون (بين غعش وشفييم). كانت الخطة زراعة بساتين الحمضيات في المكان، وإقامة بيوت صيفية لمشتري المنازل في تل ليتفينسكي ولليهود الأثرياء من الولايات المتحدة وألمانيا. وبدأ الأخوان ليتفينسكي أعمال التطوير بعمال من العرب المحليين، ما أثار فوراً غضب أعضاء مجلس عمال هرتسليا، الذين أصروا على أن تنفذ الأعمال بأيدٍ عبرية. وفي النهاية وافق الأخوان وشغّلا عمالاً يهوداً بنسبة 10% من مجموع العمال. وبالتوازي مع تهيئة الأرض لزراعة البساتين، بدأ الأخوان عام 1930 بناء «القلعة» لتكون بيتاً صيفياً لهما.
كان الوصول إلى القلعة، التي أحاطت بها مساحات شاسعة من العشب وحديقة منسقة وأزهار، ممكناً بالسيارة عبر رعنانا وهرتسليا، وكان الجزء الأخير من الطريق يُقطع بعربة تجرها الخيول. واستُخدمت القلعة نموذجاً للبيت ضمن خطة «ابنِ بيتك»، وهي حي راقٍ لبيوت الاصطياف على شاطئ البحر. وفي المنشورات التي وُزعت باليديشية وأُرسلت إلى يهود أمريكا وألمانيا، دعوهم إلى بناء بيت في أجواء ريفية شمال هرتسليا، «على بُعد أربع ساعات فقط من تل أبيب...».
حياة القلعة والنهاية
وقفت القلعة منفردة وسط بساتين الحمضيات، لذلك صُممت حصناً من ثلاثة طوابق. ضم الطابق الأرضي غرفة الطعام والمطبخ والمرافق الصحية، والطابق الثاني غرف السكن، أما طابق السطح فكان فيه موقع للمراقبة والحراسة. وبجوار القلعة شُيدت غرفتان إضافيتان: حُفرت في إحداهما بئران، وشُغّلتا بمحركات ديزل لتوفير الكهرباء والمياه الجارية، فيما استُخدمت الأخرى مسكناً للعمال. وعلى سطح الغرفتين شرفة واسعة. وعلى بُعد نحو 200 متر شرقي المنزل، شُيد مبنى تعبئة منتجات البستان (وهو اليوم مبنى مهجور كان يستخدمه متجر «تسومت سفاريم»). وفي عام 1935، عندما غادر أعضاء كيبوتس شفييم التلة في هرتسليا واستقروا على الأرض، كان البستان مشروعاً مزدهراً يشغّل نحو 200 عامل. أقام ريموند، أصغر الإخوة، في القلعة وعاش فيها حياة لهو تليق بأعزب شاب ثري. ونُسجت حول المنزل حكايات وشائعات عن «مغامرات جامحة» كانت تقام في القلعة.
مع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1936، هجر ريموند القلعة وانتقل إلى فرنسا. وفي أربعينيات القرن العشرين، بدأت بين الإخوة معركة على الميراث. كان ريموند، الأعزب اللاهي الذي عاش حياة رغيدة في فرنسا، يتمتع بالممتلكات العائلية التي جمعوها، ونشب نزاع بينهم بشأن حقوقه في أملاك العائلة. غضبت أم الأسرة من ريموند وحرمته من الأراضي المسجلة باسمها. أحزنها النزاع بين الأخوين، فغادرت البلاد عام 1946 وعاشت وحدها في جنيف. وفي عام 1951، توفي موريس، البكر، في باريس ودُفن فيها أيضاً. وسار إميل على خطى والده، فأسس محفل «البنائين الأحرار» في يافا وشغل منصب أول رئيس له. وتزوج مرغليت (من آل أبلباوم، مؤسسي زخرون يعقوب)، ورُزق الزوجان بأريئيل، ابنهما الوحيد. توفي إميل عام 1963 ودُفن في مقبرة كريات شاؤول. وفي عام 1940، رفع ريموند دعوى للمطالبة بممتلكاته، واستمرت المحاكمة حتى وفاته عام 1956. توفي ريموند بلا ذرية. وعندما فُتحت وصيته، تبيّن أنه أوصى بمعظم أمواله للجامعة العبرية في القدس، ووزع نحو مليون فرنك فرنسي على أشخاص مختلفين في فرنسا، بينما أوصى لكل فرد من أفراد أسرته، أمه وأخيه إميل وأبناء أخيه موريس، بليرة فلسطينية واحدة.
بعد وفاة موريس، ورث ابناه المنزل الكائن في شارع أحد هعام. وبعد بضع سنوات، باع الابن حاييم حصته لأخيه أبراهام روجيه. توفي أبراهام روجيه عام 1974، وأوصى بنصف المنزل لبلدية تل أبيب وبالنصف الآخر لجمعية الرفق بالحيوان. في عام 1969، بيعَت القلعة في غعش وأراضيها لعائلة ألكانيان، وهي عائلة صهيونية ميسورة من إيران، لكن بعد إعدام رب الأسرة في إيران، بيعت الممتلكات لكيبوتس غعش.






תגובות
עדיין אין תגובות.