أول «ملك للمجرفة» في أرض إسرائيل. كان روتبرغ متواضعا، وحين عمل بأجر في خدمة «الهاغاناه» كان يسير مثقلا بالخجل لأنه «يعيش على حساب الجمهور». آمن بالهجرة إلى أرض إسرائيل، وبخلاص الإنسان من خلال العمل في الأرض، وبتكوين إنسان أفضل وأكثر اكتمالا وارتباطا بالأرض والتاريخ.

من أوكرانيا إلى العمل في الأرض

أول «ملك للمجرفة» في أرض إسرائيل. كان روتبرغ متواضعا، وحين عمل بأجر في خدمة «الهاغاناه» كان يسير مثقلا بالخجل لأنه «يعيش على حساب الجمهور». آمن بالهجرة إلى أرض إسرائيل، وبخلاص الإنسان من خلال العمل في الأرض، وبتكوين إنسان أفضل وأكثر اكتمالا وارتباطا بالأرض والتاريخ.

ولد مئير روتبرغ في أوكرانيا عام 1887، وتلقى تعليما دينيا تقليديا في الكُتّاب اليهودي. في عام 1905، هاجر مئير إلى البلاد، وهناك التقى بتوأم روحه، نح نفتولسكي. عمل الاثنان معا في فرز التبغ وتوضيبه في مستعمرة نس تسيونا، ثم عملا في فلاحة الحقول. كان مئير يتمتع بقوة جسدية وروحية على حد سواء. وتميز خصوصا بأخلاقيات العمل، والتفاني فيه، والمثابرة عليه. في تلك الأيام، كانوا يعزقون كل قطعة أرض بعمق لكشف جذور الأعشاب الضارة، ولا سيما عشبة النجيل عميقة الجذور، التي كانت تسمى «إنجيل». كان روتبرغ يهجم عليها بمجرفته ويقول إنه يصارع «الإنجيل» النفسي.

ظهر أ. د. غوردون أيضا في صورة وهو يحمل مجرفة. وكان خصومه يحبون الادعاء بأنه اكتفى بالظهور في الصور ولم يعمل في الواقع، في حين قال محبوه إنه كان يعمل ببطء، ولكن بإتقان. كانت للمجرفة أهمية استثنائية في نظر الرواد، إلى حد أنهم لقّبوا في فترة الهجرة الثانية أول «ملك للمجرفة» في أرض إسرائيل، وهو من عرف كيف يعزق أكبر عدد من أحواض الري تحت ظلال البساتين. وكان أول الملوك مئير روتبرغ.

صور من القصة: מאיר רוטברג
מאיר רוטברג | ארכיון 'ביתמונה', מתוך אלבום 'בן-ציון ישראלי

لا تستهينوا بلقب «ملك المجرفة». فقد كان هذا في تلك الفترة لقبا مرغوبا فيه. كانت المجرفة رسالة، وراية للمهمة، ورمزا للتطلع إلى إحياء الأرض، وخلاص الروح، وغرس الجذور عميقا في التربة، والتأكيد: نحن هنا إلى الأبد، سنزهر القفر ونفتح آفاقا جديدة.

حين هاجر ليفي شكولنيك، وهو ليفي إشكول، إلى البلاد، كان شابا هادئا. وكما فعل من سبقوه، انضم إلى مجموعة «ملك المجرفة» الأول في بتاح تكفا، وسرعان ما أدركوا أن ملك المجرفة الثاني قد وصل. وهكذا توج من سيصبح لاحقا رئيسا للوزراء، وكان يطمح إلى إصلاح البلاد بالمجرفة والماء وحس فكاهة رائع.

في عام 1909، انضم مئير روتبرغ إلى النواة الأولى لمجموعة كنيرت، التي تجمعت في مزرعة كنيرت، إلى جانب بن تسيون يسرائيلي ونح نفتولسكي، الذين أطلق عليهم اسم «الثلاثي معا». أقاموا مع مناحيم شمولوفيتش وعمال آخرين في بيت الموتور، حيث عملوا وحرسوا المكان. وبسبب خلافات نشبت بينهم وبين مدير النشاط الزراعي في المزرعة، المهندس الزراعي موشيه برمان، اضطروا إلى الرحيل وانتقلوا للعمل في سجرا ومسحة.

في عام 1913، أُرسل مئير مندوبا عن «هپوعيل هتسعير» إلى المؤتمر الصهيوني الحادي عشر في فيينا. وفي طريق عودته إلى البلاد، التقى في ميناء أوديسا بحيا، وهي فتاة يهودية تعرف إليها على متن السفينة بصفتها مهاجرة جديدة، وتزوجا في البلاد. رافقت حيا مئير في معظم محطات حياته، وكانت هي نفسها ناشطة في مجال الاستيطان واستيعاب المهاجرين.

الانضمام إلى منظومة الدفاع

حين اندلعت الحرب العالمية الأولى، طالب حسن بك، الحاكم العسكري ليافا، جميع اليهود بتسليمه كل الأسلحة التي بحوزتهم، لكن مئير روتبرغ ورفاقه أڤراهام هرتسفلد وإلياهو دايان ودافيد بادر طالبوا، على العكس، بتعزيز القوة، وهو ما قاد مئير إلى مسيرته المهنية الثانية: منظومة الدفاع التابعة للييشوف اليهودي. انضم إلى «نواة الثلاثة عشر» أو «جماعة يافا»، كما كانوا يسمونها، إلى جانب أڤراهام كرينيتسي وإلياهو غولومب وموشيه شاريتوك ودوف هوز وآخرين، وتولى مهمة شراء الأسلحة وتخزينها ونقلها عند الحاجة. جمع الأسلحة في مخزن بحي مئة شعاريم في القدس. وكانت زوجته حيا تحضر الأسلحة إلى هناك من قلنديا، ومنها كان دافيد تدهار ينقلها إلى تل أبيب.

صور من القصة: מאיר רוטברג
חצר כנרת | צילום: אסף סולומון

خلال فترة «الهجرة» - أي التهجير من يافا وتل أبيب إلى شمال البلاد - كان مئير حارسا في كنيرت. وهناك تنبه إلى أزمة الجوع التي تهدد العمال في مستعمرات يهودا. وبناء على اقتراحه، جُمعت المحاصيل من دغانيا وكنيرت، وتم تأمين موارد إضافية، اشتروا بها الحبوب من الجليل ونقلوها بالعربات إلى يهودا.

بعد الحرب العالمية الأولى، عاد روتبرغ إلى تنسيق شراء الأسلحة من العرب ومن الخارج، ونظم توزيعها على المزارع والمواقع الاستيطانية، وحرص على أن تتوفر لكل مزرعة كمية السلاح اللازمة. وكان يتعامل مع كل فلس من أموال الجمهور كما لو كان وقفا: خفض النفقات إلى أدنى حد، وكان يقدم فواتير وإيصالات حتى عن المصروفات الصغيرة، مثل مكالمة هاتفية أو رحلة بالحافلة.

مثلما تعامل مئير مع المجرفة، تعامل مع السلاح أيضا، وقال: «إن لعنة هذا المسدس وسائر أدوات الفتك، وبركتها، معروفة للجميع. أما بالنسبة إلينا، فهي ليست صنما نستعبد له. وعندما يأتي اليوم الذي تستطيع فيه البشرية أن تعيش بأمان من دونها، سنكون بالتأكيد من أوائل من يحولون أسلحة القتال إلى أدوات للعمل. لكن حتى ذلك الحين، لا سمح الله أن نستخف بالبركة الكامنة في هذا السلاح، ولا سيما عندنا وفي ظروفنا. سلاحنا هذا عزيز علينا جدا، سواء لأنه يكلفنا ثمنا باهظا، أو لما تنطوي عليه حيازته من بركة عظيمة لنا عندما تدعو الحاجة. وأكثر من ذلك، هذا السلاح مقدس لدينا، لذلك علينا أن نكون جماعة من أصحاب الأخلاق الرفيعة، كيلا تدنس قدسية سلاحنا باستخدامه دون مبرر، أو بالإهمال وقلة الحذر اللذين قد يجلبان علينا كارثة، أو بمخالطة أشخاص مشبوهين طماعين لن يترددوا في تسليمه إلى أعدائنا».

صور من القصة: מאיר רוטברג
חצר כנרת | צילום: אסף סולומון

كان لهذه الكلمات البسيطة، وللنبرة التي قيلت بها، تأثير حاسم في موقف الناس من الأسلحة.

حين عمل بأجر في خدمة «الهاغاناه»، كان يسير مثقلا بالخجل لأنه «يعيش على حساب الجمهور». كان يحب العمل وحده، من دون سكرتير أو مساعد، وكان ينجز بنفسه كل الأعمال، صغيرها وكبيرها. وكان يقوم برحلاته في سيارات «السليّك» التي تنقل الأسلحة، كيلا يهدر المال على نفقات السفر، وكيلا يترك للآخرين مهمة مراقبة الحمولة الثمينة في الطريق.

سنواته الأخيرة

كان عام 1940 عاما سيئا لمئير روتبرغ. فبعد إعادة تنظيم «الهاغاناه»، أُقيل من المركز وانسحب تماما من النشاط في المنظمة. وفي العام نفسه، أصيب إصابة خطيرة في العمود الفقري نتيجة حادث سيارة. وأجبرته الإصابة على التوقف عن العمل، وظل يتحمل آلامه في صمت حتى آخر يوم في حياته. ولم يتذكر أحد إسهامه.

اشترى رفيقه نح نفتولسكي دونمين قرب أرضه في جفعتايم، وبنى هناك بيتا لمئير وحيا. وكان مئير ونح، مستندين أحدهما إلى الآخر، يخرجان للتنزه في الحي، ويتذكران صديقهما بن تسيون يسرائيلي الذي قُتل، ويتحدثان إلى أن كانت حيا تناديهما للعودة. في آب 1951، توفي مئير روتبرغ، ودُفن في عين حرود بناء على طلبه.

صور من القصة: מאיר רוטברג
בית המוטור | צילום: אסף סולומון

بعد وفاة نح نفتولسكي ومئير روتبرغ، بقيت حيا وحدها في البيت الصغير على التلة، تزرع الخضروات للدجاج كما لو أنها ما زالت في ساحة كنيرت. كانت وحيدة، وأخذت حالتها تتدهور، وعانت من أمراض الشيخوخة. وفي نهاية المطاف، اصطحبتها أختها طوفا لتعيش معها في عين حرود. بقي البيت في جفعتايم مهجورا، بابه مفتوحا، وكل الدفاتر التي كتبت فيها ذكرياتها مبعثرة على الأرض. ذات يوم، دخل دافيد متس إلى البيت وعثر على يوميات حيا. جمعها في كتاب لم ينجزه إلا بعد وفاتها، ومن هنا جاء عنوان الكتاب: «كتاب متأخر» / حيا روتبرغ (1987).