طفل من القدس نشأ في باريس المحتلة، ونجا من المحرقة، وفاز بجائزة نوبل، وغيّر الطريقة التي نفهم بها القرارات، وأنهى حياته كما لو كانت لغزا أخيرا يدعو إلى التأمل

دانيال كانيمان

الإنسان العقلاني ونظرية القيمة

على مدى سنوات طويلة، وضع الاقتصاديون نظريات كاملة استنادا إلى فرضية أساسية واحدة، قوية وذات تأثير: الإنسان الاقتصادي كائن عقلاني. فهو يوازن، ويحسب، ويقارن، ويختار، وفي نهاية المطاف يتخذ القرار الذي يحقق له أكبر منفعة. وفي عالم الفكر هذا نشأت نظرية المنفعة، وكان أحد أركانها الأساسية عمل جون فون نيومان وأوسكار مورغنسترن. ففي عام 1944 نشر الاثنان كتابهما التأسيسي «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي»، وقدما فيه نظرية اتخاذ القرارات في حالات المخاطرة وعدم اليقين. وفقا لنظريتهما، يتخذ الإنسان العقلاني القرارات سعيا إلى تعظيم منفعته المتوقعة. أي إنه حتى عندما يكون المستقبل غير مؤكد، وحتى عندما توجد مخاطر، يستطيع الإنسان أن يوازن الاحتمالات، ويقيّم النتائج الممكنة، ويختار المسار الذي يخدم تفضيلاته على أفضل وجه. بل إن هذه التفضيلات يمكن، ظاهريا، تمثيلها بدالة رياضية رقمية، وبذلك يمكن التنبؤ بالسلوكيات الاقتصادية والاستراتيجية بدقة نسبية.

ثم، في عام 1979، هز زلزال حقيقي أوساط الاقتصاد. فقد تحدت نظرية القيمة النظرية التي ظلت سائدة نحو خمسة وثلاثين عاما، وهي نظرية وضعها عالما النفس الإسرائيليان دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي. وفي ما بعد، نال كانيمان جائزة نوبل في الاقتصاد عن هذا العمل. لم يكتف كانيمان وتفيرسكي بالسؤال عن الكيفية التي يفترض أن يتصرف بها البشر وفقا لنموذج عقلاني مثالي، بل طرحا سؤالا أبسط وأكثر حدة وإرباكا: كيف يتصرف البشر في الواقع؟

من خلال سلسلة من التجارب الشيقة، أظهرا أن البشر لا يحسبون المنفعة ببرود ودقة، ولا يوازنون المخاطر على نحو متوازن، ولا يستجيبون للمكاسب والخسائر بالطريقة نفسها. بل أكدا أيضا أن علم النفس البشري يحول دون أن يكون الناس عقلانيين بالمعنى الذي تتطلبه نظرية المنفعة. وانطلاقا من هذه الملاحظات، صاغا ثلاثة مبادئ أساسية غيرت من الجذور الطريقة التي نفهم بها القرارات البشرية.

نقطة مرجعية

نقطة مرجعية

لا يفكر الناس بمصطلحات الثروة المطلقة، كما افترضت نظرية المنفعة، بل بمصطلحات التغيير والمكسب والخسارة قياسا إلى نقطة انطلاق معينة. وبعبارة أخرى، ليس ما يحدد شعورنا هو ما نملكه فعلا فحسب، بل أيضا ما توقعنا أن نملكه، وما ظننا أننا نستحقه، ونقطة المقارنة التي انطلقنا منها.

يوضح مثال بسيط ذلك جيدا: إذا اكتشفت أن في حسابك 10,000 شيكل، فإن رد فعلك العاطفي يعتمد تماما على النقطة المرجعية. إذا كنت تظن أن في الحساب 5,000 شيكل فقط، فستشعر بالفرح لأنك اختبرت مكسبا. أما إذا كنت واثقا من أن فيه 20,000 شيكل، فستشعر بخيبة أمل شديدة لأنك اختبرت خسارة، رغم أن المبلغ النهائي هو نفسه تماما. الواقع نفسه، والعدد نفسه، والرصيد نفسه في البنك، لكن الشعور الإنساني مختلف تماما.

النفور من الخسارة

النفور من الخسارة (Loss Aversion)

لعل هذا أشهر اكتشاف توصل إليه كانيمان وتفيرسكي: الألم الذي تسببه لنا الخسارة أكبر بنحو الضعف من الفرح الذي يمنحنا إياه مكسب مماثل. فمن الناحية النفسية، يسبب لنا فقدان 100 شيكل ألما أشد بكثير من الفرح الذي نشعر به عندما نعثر على 100 شيكل. فالخسارة تحرقنا، وتقلقنا، وتظل عالقة في أذهاننا. أما المكسب، فيسعدنا، لكنه غالبا ما يتلاشى بسرعة أكبر.

هذا النفور من الخسارة يقود إلى سلوك غير متماثل بوضوح إزاء المخاطر. ففي مجال المكاسب، يميل الناس إلى تجنب المخاطرة. ويفضلون الحصول على 500 شيكل يقينا على فرصة بنسبة 50% للفوز بـ1,000 شيكل، حتى إن كانت القيمة المتوقعة متقاربة من الناحية الرياضية. فالأمان يطمئنهم، واحتمال خسارة المكسب الممكن يبدو مؤلما أكثر مما يحتملون.

دالة القيمة

دالة القيمة (The Value Function)

رسم كانيمان وتفيرسكي دالة على شكل حرف S تصف علاقة الإنسان بالقيمة. ففي مجال المكاسب، تكون الدالة مقعرة، أي إن العائد النفسي لكل شيكل إضافي يتناقص تدريجيا. فالشيكل الأول يثير الحماسة أكثر من الشيكل الذي يليه، وتتباطأ الزيادة في الشعور بالقيمة كلما ازداد المكسب.

أما في مجال الخسائر، فتكون الدالة محدبة وأكثر انحدارا بكثير. فمنحنى الألم أشد وأسرع وأعمق. وقد تسبب خسارة صغيرة ألما كبيرا، ويكون الانتقال إلى الشعور بالفقد أقوى من الانتقال إلى الشعور بالمكسب. وهكذا أظهرا أن المكسب والخسارة ليسا متماثلين، وأن النفس البشرية نفسها تمنحهما وزنا عاطفيا مختلفا تماما.

إضافة إلى ذلك، اكتشفا أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير الاحتمالات المنخفضة، وهو ما يفسر، مثلا، سبب شراء الناس تذاكر اليانصيب مع أن احتمال الفوز يكاد يكون معدوما. وفي الوقت نفسه، يميل الناس إلى التقليل من تقدير الاحتمالات العالية. أي إننا، حتى عندما يكون أمر ما شبه مؤكد، نجد صعوبة في التعامل معه على هذا الأساس، ونمنح أحيانا وزنا مفرطا تحديدا للاحتمال النادر والمثير.

أثبتت نظرية القيمة أن قراراتنا لا تحركها حسابات المنفعة الباردة وحدها، بل تحركها تحيزات نفسية عميقة ومتأصلة ومتكررة. وبذلك أسست عمليا مجال الاقتصاد السلوكي، وهو مجال يدرس الإنسان كما هو حقا، لا كما أملت النماذج الكلاسيكية أن يكون.

في حين جاء جون فون نيومان، وهو يهودي أمريكي مولود في المجر، وأوسكار مورغنسترن من عالم العلوم الدقيقة، من الرياضيات والاقتصاد، جاء دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي من عالم مختلف تماما، هو عالم علم النفس. وكان هذا الاختلاف جوهريا. فلم ينظرا إلى الإنسان باعتباره معادلة، بل باعتباره كائنا حيا يفكر ويشعر ويخاف ويأمل ويندم ويخطئ ويتعلم.

إن الانتقال من افتراض الإنسان العقلاني إلى نموذج يعترف بالقيود المتأصلة في نظام المعالجة البشري ليس إنجازا أكاديميا فحسب، بل هو ثورة في طريقة التفكير تؤثر في كل جانب من جوانب حياتنا، من القانون والطب إلى السياسة العامة وإدارة المخاطر. كما أنها تؤثر في كل واحد منا، تقريبا كل يوم. فليس هذا تمرينا مجردا في أروقة الأكاديميا، بل هو أمر عملي وواقعي وإنساني جدا.

طفولة في باريس المحتلة

كان دانيال كانيمان في السابعة من عمره في باريس حين غزاها الألمان. وكان اليهود مطالبين بوضع شارة صفراء، وممنوعين من التجول في الشارع بعد السادسة مساء. وفي أحد الأيام، عندما كان يلعب في منزل صديق مسيحي، أدرك كانيمان أنه تأخر عن موعد حظر التجول. فقلب سترته الصوفية البنية وهو يرتجف، وارتداها بحيث صار باطنها إلى الخارج، وأسرع إلى منزله. وما زال يتذكر إلى اليوم خفقان قلبه الشديد في تلك المسيرة القصيرة.

«رأيت فجأة جنديا ألمانيا يقترب في الشارع الخالي. كان يرتدي الزي الأسود الذي قيل لي إن علي أن أخشاه بوجه خاص. أسرعت في خطاي، لكنه أشار إلي أن أقترب منه. كنت مرعوبا من أن يلاحظ الشارة الصفراء داخل سترتي الصوفية». رفعه الجندي بين ذراعيه وعانقه. «تحدث إلي بعاطفة جياشة بالألمانية. وعندما أنزلني، فتح محفظته وأراني صورة لطفل وأعطاني بعض المال. عدت إلى المنزل وأنا أكثر يقينا من أي وقت مضى بأن ما كانت أمي تقوله لي طوال السنين كان دقيقا: البشر معقدون ومثيرون للاهتمام إلى ما لا نهاية».

عاشت عائلة دانيال كانيمان، ذات الأصول اليهودية الليتوانية، في باريس. وكان والده، إفرايم، يعمل كيميائيا كبيرا في شركة لوريال، وعاشت الأسرة حياة مستقرة وآمنة. لكن كل شيء تغير فجأة في عام 1940، عندما سقطت باريس في أيدي النازيين. انهار النظام المألوف، وتحولت الحياة إلى رحلة متواصلة من الخوف والاختباء والبقاء.

اعتُقل والده إفرايم، وكان ضمن أولى قوافل الترحيل إلى معسكر درانسي، محطة العبور التي أرسل منها كثير من اليهود إلى حتفهم. وبعد ستة أسابيع، أُطلق سراحه بفضل تدخل مديره في لوريال، الذي كان ذا نفوذ لدى نظام فيشي. أنقذ إطلاق سراحه حياته، لكنه لم يُعد إلى الأسرة شعورها بالأمان الذي فقدته.

قضت الأسرة سنوات الحرب في فرار متواصل. تنقل أفرادها واختبأوا في جنوب فرنسا وفي المناطق الريفية، أحيانا في ظروف معيشية قاسية وشحيحة، إلى حد أنهم أقاموا في أماكن مثل حظائر الدجاج. عاش كانيمان الطفل شاعرا بأنه مطارد باستمرار، ووصف نفسه بأنه كان مطاردا «مثل الأرنب». ولم تفارقه هذه التجربة حتى بعد أن كبر. فقد جعلته «قلقا مزمنا»، لكنها غرست فيه أيضا فهما عميقا ومؤلما لهشاشة النظام الاجتماعي وللتعقيد المدهش للطبيعة البشرية.

ربما كان ما أشعل فيه الرغبة في فك ألغاز العالم الداخلي للبشر هو تحديدا ذلك العالم الذي أخفى فيه البالغون مخاوفهم، وحملوا الأسرار، وبدلوا هوياتهم، واضطروا إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت تهديد دائم. وربما وُلدت رغبته في فهم التناقضات والمخاوف والإيماءات الصغيرة والألغاز التي تشكل النفس البشرية في ذلك اليوم نفسه، في ذلك الشارع الخالي في باريس المحتلة.

وُلد كانيمان في عام 1934 في تل أبيب، بينما كانت أمه تزور عائلتها في أرض إسرائيل. هاجر والداه، المولودان في ليتوانيا، إلى فرنسا في مطلع عشرينيات القرن العشرين، وبنيا حياتهما هناك إلى أن قلبت الحرب كل شيء. وفي عام 1944، قبل انتهاء الحرب، توفي والده بمرض. وبعد الحرب، في عام 1946، هاجرت الأسرة إلى أرض إسرائيل. كان كانيمان آنذاك فتى صغيرا، تلميذا في الصف الثامن، وصل إلى بلد جديد بعد طفولة طبعتها مشاعر الخوف والفقدان والترحال.

الدراسة والشراكة مع تفرسكي

بدأ فصل جديد في حياة كانيمان في أرض إسرائيل. درس في الجامعة العبرية في القدس، وتخصص في علم النفس، إلى جانب تخصص فرعي في الرياضيات. وروى لاحقا أنه لم يكن سوى متوسط المستوى في الرياضيات، لكنه أحب علم النفس كثيرا. وأوضح أن انجذابه إلى هذا المجال نشأ في طفولته، من اهتمام عميق بالناس وبما يقولونه بعضهم عن بعض. وقال كانيمان إنه اتجه إلى علم النفس بسبب اهتمامه بالنميمة: «نشأت في عالم كان يتألف أساسا من الناس والكلمات، وكانت معظم الكلمات تدور حول الناس. أما الطبيعة، فلم تكن حاضرة إلا بالكاد».

صور من القصة: דניאל כהנמן
קמפוס האוניברסיטה העברית בהר הצופיםצילום: Grauesel, CC BY-SA 3.0, ויקישיתוף

بعد أن أنهى دراسته في علم النفس في الجامعة العبرية، التحق كانيمان بالجيش الإسرائيلي وخدم اختصاصيا نفسيا. وهناك تحديدا، في مؤسسة عسكرية فتية كان عليها اتخاذ قرارات سريعة بشأن الناس، بدأ يطبق معرفته على نحو سيؤثر في مسيرته العلمية بأكملها. في تلك الفترة، كان اختيار المجندين للقيام بالمهام القتالية في الجيش الإسرائيلي يعتمد أساسا على الانطباع العام والحدس لدى القائمين بالمقابلات. وبدا هذا الأسلوب طبيعيا ومقنعا، لكنه اتضح عمليا أنه ضعيف جدا في التنبؤ. وكان كانيمان، الذي لم يكن يتجاوز الحادية والعشرين، قد طور نظام اختيار جديدا يستند إلى استبيان منظم وإلى تقييم منهجي لسمات شخصية محددة. وبدلا من الاعتماد على حدس عام، ألزم القائمين بالمقابلات بالفصل بين الوقائع والانطباع الشخصي.

كانت النتائج لافتة. فعندما طُلب من القائمين بالمقابلات التركيز على معلومات محددة، وقياس سمات بعينها، والحد من تأثير الحدوس الفورية، تحسنت جودة تنبؤاتهم كثيرا. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتبلور لدى كانيمان إحدى الأفكار المركزية التي لازمته طوال حياته: إن العقل البشري، مهما بلغ من الذكاء، يحتاج أحيانا إلى بنية خارجية تحميه من تحيزاته هو.

بعد تسريحه من الجيش الإسرائيلي، سافر كانيمان إلى الولايات المتحدة، حيث أكمل الدكتوراه في جامعة بيركلي. ثم عاد إلى إسرائيل، ودرّس وأجرى البحوث في الجامعة العبرية في القدس، وهناك وقع اللقاء الذي سيغير ليس حياته فحسب، بل أيضا وجه علم النفس والاقتصاد ونظرية اتخاذ القرارات.

بدأ الفصل الأهم في مسيرة كانيمان المهنية عام 1969، عندما التقى عاموس تفيرسكي في الجامعة العبرية. وكان لقاؤهما أشبه بلقاء بين نقيضين. كان كانيمان متشككا وانطوائيا وحساسا، ويميل إلى التشكيك حتى في أفكاره الخاصة. أما تفيرسكي فكان إسرائيليا مولودا في البلاد، واثقا بنفسه، حاد الذهن وجذابا ولامعا في المنطق. وقد صنع التباين بينهما تحديدا شراكة استثنائية نادرة في قوتها.

على مدى أكثر من عقد، عملا كأنهما عقل واحد في جسدين. أمضيا آلاف الساعات معا في غرف مغلقة، يتحادثان ويتجادلان ويضحكان ويصوغان الأفكار بلا نهاية. وكتبا كل كلمة في مقالاتهما معا، واختبرا كل فكرة من جميع جوانبها، وطورا لغة جديدة لفهم الطريقة التي يحكم بها البشر ويخطئون ويقدرون المخاطر ويتخذون القرارات في ظروف عدم اليقين. لم يكن الاثنان مجرد زميلين، بل كانا ثنائيا فكريا نادرا. وعلى مدى أكثر من عقد، عملا معا بكثافة استثنائية، وفكرا معا وضحكا معا وأكملا جمل أحدهما الآخر، بل كانا أحيانا يقرران بإلقاء قطعة نقدية أيهما يرد اسمه أولا في مقال مشترك. وصف كانيمان ذلك ببساطة مؤثرة: «تعلمنا أن نعرف بعضنا بعضا كما نعرف أنفسنا تقريبا». ومن هذه الصداقة وُلدت ثورة. فقد أظهر كانيمان وتفيرسكي أن الإنسان لا يتخذ القرارات بعقلانية كما افترض الاقتصاد الكلاسيكي. وكشفا التحيزات والاختصارات الذهنية وأخطاء الحدس والنفور من الخسارة، وأرسيا بذلك أسس الاقتصاد السلوكي.

أثمر تعاونهما في عام 1974 المقال التأسيسي «الحكم في ظل عدم اليقين: الاستدلالات والتحيزات»، وهو مقال غيّر طريقة تفكير الباحثين في التفكير. وأظهر كانيمان وتفيرسكي أن البشر ليسوا صانعي قرارات عقلانيين كما افترضت النماذج الاقتصادية الكلاسيكية، بل كائنات تستخدم اختصارات ذهنية قد تكون مفيدة أحيانا، لكنها معرضة أيضا للتحيزات المنهجية.

ساعدت نظريتهما في الإجابة عن أسئلة يومية وعميقة في آن: لماذا يصعب علينا الادخار للتقاعد؟ ولماذا نخاف الخسائر أكثر مما تسعدنا المكاسب؟ ولماذا يكون معظمنا مستثمرا سيئا في البورصة؟ ولماذا يتخذ أناس أذكياء جدا أحيانا قرارات سيئة جدا؟

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، بدأت الحياة الشخصية والمهنية للرجلين تفترق. طلق كانيمان زوجته الأولى، عيرا، وفي عام 1978 تزوج عالمة النفس آن تريسمان. وانتقل إلى كندا، ثم إلى الولايات المتحدة. وغادر تفيرسكي إسرائيل أيضا، وتولى منصبا مرموقا في جامعة ستانفورد. استمر التعاون، لكنه لم يعد بالقوة نفسها. فقد أدى البعد والحياة الجديدة والتقدير الشخصي الذي ناله كل منهما على حدة إلى تنامي التوتر بينهما.

في عام 1996، توفي تفيرسكي بالسرطان، ولم يتجاوز التاسعة والخمسين. وبعد ست سنوات، في عام 2002، نال كانيمان جائزة نوبل في الاقتصاد عن عملهما المشترك. ولم يتمكن تفيرسكي من نيل الجائزة، لأن نوبل لا تُمنح بعد الوفاة. وحرص كانيمان على التأكيد أن الجائزة لهما معا: «كنا فريقا»، وذكّر بأن العمل الذي نال عنه الجائزة وُلد في فترة تعاونهما المكثف.

السعادة والسنوات الأخيرة

لم يقتصر اهتمام كانيمان على المسائل الاقتصادية، بل تناول أيضا أحد الأسئلة التي تشغلنا: سؤال السعادة. ففي عام 2006، نشر كانيمان مع زملائه في جامعة برينستون دراسة حاولت الإجابة عن سؤال: هل يستطيع المال شراء السعادة؟ وكانت إجابتهم، خلافا لما قد يُتوقع، بالنفي. ووفقا للدراسة، لا يؤثر ارتفاع مستوى الدخل في مستوى الرضا عن الحياة إلا لفترة قصيرة. ووجدوا أن البلدان التي تشهد ارتفاعا مفاجئا في دخل الفرد لا تسجل ارتفاعا مماثلا في مستوى رضا سكانها. ورأوا أن الناس، كلما ازدادوا ثراء، مالوا أكثر إلى المشاعر السلبية.

في مقابلة أجراها في أواخر عام 2007 مع مجلة «ماني»، قال كانيمان: «يرى الاقتصاديون أن الناس عقلانيون بطبيعتهم، وأنهم يستخدمون كل المعلومات المتاحة لهم لاتخاذ القرارات، وأن قراراتهم متسقة بمرور الوقت. أما علماء النفس فيقولون إن هذا افتراض غير واقعي. يفكر الاقتصاديون فيما ينبغي للناس أن يفعلوه، بينما يدرس علماء النفس ما يفعله الناس حقا».

صور من القصة: דניאל כהנמן
נסאו הול באוניברסיטת פרינסטוןצילום: Smallbones, CC0, ויקישיתוף

بعد وفاة زوجته الثانية في عام 2018، شهدت السنوات الأخيرة من حياة كانيمان فصلا شخصيا مفاجئا ومؤثرا. فقد عاش في نيويورك مع باربرا تفيرسكي، أرملة عاموس. كان الرجلان متقاربين جدا من الناحية العلمية، ثم تباعدا، وفرقهما الموت، وفي النهاية بقيت بينهما صلة إنسانية عبر أقرب شخص إلى تفيرسكي.

كانت نهاية حياة كانيمان استثنائية وواعية وتدعو إلى التأمل. اختار أن ينهي حياته بالانتحار بمساعدة طبية في سويسرا، في مارس 2024، وكان قد بلغ التسعين. وقبل وفاته، أرسل إلى أصدقائه رسالة وداع كتب فيها أنه في طريقه إلى سويسرا، حيث ستنتهي الأمور. وقبل ذلك بأيام، أمضى وقتا في باريس مع باربرا تفيرسكي، والتقى عائلته، وتجول في المتاحف، وحضر عروض الباليه، وضحك وبكى مع المقربين منه.

وهكذا أُسدل الستار على حياة رجل درس الطريقة التي نفكر بها ونتذكر ونختار. علمنا كانيمان أن الذاكرة لا تحفظ الحياة كما كانت، بل تحولها إلى قصة. ولعل حياته هو أيضا، وشراكته العظيمة مع تفيرسكي، والقطيعة والفقدان والحب المتأخر والاختيار الواعي للنهاية، تشكل قصة رجل سعى حتى اللحظة الأخيرة إلى فهم الطبيعة البشرية، وفهم نفسه أيضا.