أسس عملاق الأدوية «تيفا»، وطوّر أوبتالغين وبولياندرين، إلى جانب سلسلة طويلة من الأدوية التي تنقذ الحياة وتحسن جودتها.
رؤية الأدوية في أرض إسرائيل
لم يكن غونتر فريدلاندر من النوع العفوي. كان دائماً يخطط ويعرف مسبقاً ما الذي يريد تحقيقه. درس الصيدلة في ألمانيا وسويسرا، وفي سن الحادية والعشرين، وهو لا يزال طالباً، رسم مستقبله بدقة: «عندما يحين الوقت، وأهاجر إلى فلسطين-أرض إسرائيل، سأقيم فيها صناعة للأدوية تنتج مستحضرات طبية من مواد طبيعية ونباتات تنمو في فلسطين أرض إسرائيل». قرر فريدلاندر وابن عمه الدكتور كورت غرونفالد، الذي كان يومها طالباً يدرس الاقتصاد، أن يكون اسم الشركة «تيفا». وتلقيا التشجيع من الدكتور حاييم وايزمان، الذي التقاهما عام 1925 وشجعهما على إعداد نفسيهما لتأسيس المصنع. قبل ذلك بعام، بدأ الطالب غونتر فريدلاندر بجمع المعلومات حول الموضوع. توجه إلى صيادلة في البلاد وعلماء نبات وأهل علم، واستفسر عن أنواع النباتات التي تنمو فيها، وعن إمكانية تحضير الأدوية منها. ومن بين الجهات التي اتصل بها محطة الأبحاث الزراعية التجريبية في تل أبيب. وكان هذا ردها: «لا يمكننا التركيز على زراعة النباتات الطبية في محطتنا التجريبية، لأننا منشغلون بأبحاث المشكلات الزراعية الملحة ونعمل وفق جدول زمني محدد. كما تنقصنا الموارد المالية اللازمة لزراعة النباتات الطبية، ولا بد أنك تعرف أن ميزانيتنا محدودة جداً. يمكننا إجراء تجارب على نطاق محدود على نباتات مثل الكزبرة وكزبرة الحقل... ونوصيك، فيما يتعلق بهذه النباتات، بالتوجه إلى مدير معهدنا، البروفيسور أوتو فاربورغ في برلين، الذي ينوي القدوم إلى البلاد في المستقبل القريب. إذا رغبت في المبادرة إلى شيء بهذا الشأن، فمن الأفضل أن تفعل ذلك من خلال البروفيسور فاربورغ. أما إذا كان الموضوع قريباً جداً إلى قلبك ومهماً لك أن تجري تجارب في هذا المجال هنا في البلاد، فنحن مستعدون لإجرائها بكل سرور إذا تكفلت بالنفقات المالية المترتبة على ذلك». وهكذا، شرع غونتر فريدلاندر في السنوات التالية بمراسلة البروفيسور أوتو فاربورغ، الذي سميت بلدة سديه فاربورغ باسمه، سعياً إلى إقامة معهد أبحاث جامعي جاد ومدرسة للصيدلة في فلسطين/أرض إسرائيل.
ولد غونتر فريدلاندر في ألمانيا في 8 أبريل 1902. وعندما كان في العاشرة، انتقلت الأسرة إلى مدينة أخرى كانت تضم جالية يهودية صغيرة. انضم إلى حركة الشبيبة اليهودية «بلاو فايس» (الأزرق والأبيض)، حيث تعرف إلى الفكرة الصهيونية، وبدأت فكرة الهجرة إلى أرض إسرائيل تنمو في نفسه.
الهجرة وتأسيس المصنع
بعد أن أنهى دراسته عام 1930، بدأ غونتر فريدلاندر بإدارة صيدلية ومختبر عمته إلسه كوبر. كانت كوبر أرملة من أرامل الحرب العالمية الأولى وأماً ثكلى فقدت ابنها الوحيد. وفي عام 1931، تزوج غونتر فريدلاندر من شارلوتا، ورزق الزوجان بطفلين. وفي مايو 1933، مع صعود النازيين إلى الحكم، أدرك غونتر أن المستقبل ينذر بالخطر على اليهود. وفي العام نفسه، زار البلاد للمرة الأولى بحثاً عن موقع لإقامة مصنعه. زار العفولة وحيفا، لكنه قرر في نهاية المطاف إقامة المصنع في القدس.
هاجر إلى البلاد في أبريل 1934، وبعد شهر لحقت به عمته وشريكته في العمل إلسه كوبر. وكان استقطاب العمال إلى المصنع مهمة صعبة، إذ لم يكن من الممكن في تلك الأيام العثور في البلاد على صيادلة يحملون شهادة، الأمر الذي دفعه إلى إنشاء نظام تعليمي لتدريب الصيادلة.
بمشاعر غامرة واستثمار بلغ نحو 5000 جنيه إسترليني، افتتح الدكتور غونتر فريدلاندر وعمته إلسه كوبر، في الأول من مايو 1935، عيد العمال، مصنعهما في حي بيت فيغان في القدس. وسجل المصنع باسم «تيفا، شركة للصناعة الصيدلانية والكيميائية للشرق الأوسط المحدودة، القدس (أرض إسرائيل)»، تحت شعار «نسعى إلى مساعدة الطبيعة البشرية بوسائل نأمل أن نستخلصها من الطبيعة». وجمعا بقية المبلغ عن طريق القروض، وعندما نفد المال، أدخلا المصرفي الدكتور ألفرد فويختفانغر شريكاً في «تيفا» مقابل 33%.
الانطلاقة مع منتجات البحر الميت
اجتمعت في الدكتور غونتر فريدلاندر صفات الباحث الموهوب ورجل الأعمال الحصيف، وهو مزيج أفضى به إلى النجاح الذي تطلع إليه في فترة وجيزة. صحيح أنه كان يستطيع منذ ذلك الحين البدء بإنتاج الأدوية والمستحضرات الطبية من نباتات مختلفة، إذ كان يملك كل المعلومات الأساسية، لكنه فضّل أن يبدأ بمادة لا توجد إلا في البحر الميت، الأمر الذي منحه ميزة كبرى في البلاد والعالم. كانت هذه المادة فريدة من نوعها في البحر الميت، وقد ورد ذكرها في الكتاب المقدس. وأطلق الرومان على البحر الميت اسم «لاكوس أسفالتايتوس» (بحيرة الإسفلت)، نسبة إلى كتل الإسفلت التي كانت تطفو فيه. وكتب يوسيفوس فلافيوس عن هذه الكتل: «ومن المناسب أيضاً أن نتحدث عن طبيعة البحر الميت... ففي مواضع كثيرة يقذف كتل الملح السوداء، وهي تطفو على سطح الماء وتشبه في شكلها وحجمها ثيراناً مقطوعة الرؤوس... وهذا القار صالح لسد شقوق السفن، كما أنه يبرئ الجسد، ولذلك يمزجونه بكثير من الأدوية». (الحروب، 4، 8، 4). ومن هذه المادة صنع غونتر «بيتوفال»، وهو دواء لعلاج الأمراض الجلدية، كما كتب: «بعد عمل دام ثلاث سنوات، وبخاصة بفضل أ. ماركوفيتش، نجحنا في إعداد عدد من المستحضرات بطرق مختلفة من الطين الطافي على البحر الميت. وأذكر من بينها مستحضر القطران Bitupal، الذي تكلل استخدامه السريري بالنجاح. وهو يحتوي على كبريت مرتبط عضوياً، ذي قيمة طبية كبيرة، ولا يسبب تهيجاً للجلد». اشتق اسم بيتوفال من كلمتي «بيتومين» و«بالاستينوم»، واستُخدم أساساً لعلاج الصدفية. حظي هذا المنتج بطلب كبير، وبِيع في السوق المحلية والأمريكية. والطبيعة التي وفرت المادة الأولية للدواء كانت أيضاً هي ما أوقف إنتاجه. فمنذ عام 1980، سد الملح الذي ترسب في قاع البحر الشقوق، فحال دون خروج الإسفلت من قاع البحر.
أما المنتج التالي الذي اعتز به الدكتور فريدلاندر فكان سلسلة مستحضرات «هردوف»، وكان على علبة «بولياندرين» مكتوباً بالإنجليزية: «Palestinian Origin 100%» (100% من إنتاج فلسطين). وكانت هذه مستحضرات مخصصة لعلاج قصور القلب، تُنتج من الدفلى المعروفة بأنها نبتة سامة. وفيما بعد، صنع من البابونج الفلسطيني مستحضر «غينغيسان» لعلاج التهابات اللثة وتهيجاتها. وأطلق الدكتور غونتر فريدلاندر أسماء الأدوية الأولى بنفسه. فمن الجمع بين كلمة «أوبتيموم» ومادة «ألغين» المسكنة للألم، وُلد اسم «أوبتالغين» الشهير.
أدخل المصرفي الخبير ألفرد فويختفانغر «تيفا» إلى بورصة تل أبيب عام 1951، وبدأ تداول أسهمها علناً. وبعد ثلاث سنوات، في عام 1954، نال مصنع «تيفا» جائزة المصدر المتميز. وصمم الدكتور غونتر فريدلاندر وزوجته الأولى شارلوتا شعار المصنع، الذي جمع بين الحرف العبري «ט» والحرف الإنجليزي «T».
سوقت «تيفا» في البلاد منتجات ذات مصادر نباتية، وزودت بها الجيوش المتمركزة في المنطقة، كما صدّرتها إلى تركيا ومصر والسودان ولبنان وإيران. وبحلول عام 1968، كان قد سُوّق في العالم أكثر من 250 مستحضراً طبياً. آمن الدكتور فريدلاندر بنجاح المصنع، وقال: «مصنع الأدوية مشروع مضمون، لأن الأم اليهودية ستشتري دائماً الأدوية لأطفالها».
عائلة وصراع وتقاعد
في عام 1945، طلق شارلوتا وتزوج يوهانا (هانزي) زينغر، واسم عائلتها قبل الزواج كوهين، وهي أم لابن من زواجها الأول. ورُزق الزوجان بابنتهما الوحيدة نعومي (الدكتورة نعومي أشحار، التي كتبت سيرة حياة والدها في كتاب «أبي تيفا»). كانت يوهانا سكرتيرة يواخيم فون ريبنتروب حين كان لا يزال يدير متجراً لبيع المشروبات الكحولية والشمبانيا. وفيما بعد، التحق ريبنتروب بخدمة هتلر، وعُيّن وزيراً لخارجية النظام النازي، وكان من واضعي «اتفاق ريبنتروب-مولوتوف» بين ألمانيا وروسيا.
نتيجة خلاف عائلي، باعت إلسه كوبر، عمة غونتر التي كانت تملك ثلث أسهم الشركة، أسهمها إلى بنك تنمية الصناعة. وهكذا أصبح المؤسسون والمهنيون يملكون ثلث أسهم الشركة، فيما امتلك مصرفيون بقية الأسهم، من دون أي ارتباط عاطفي بالمصنع، وكانوا يبحثون عن فرصة لبيعها بربح. ولم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يفقد الدكتور غونتر فريدلاندر السيطرة على مشروع حياته.
كان المهاجرون من ألمانيا رواد صناعة الأدوية في البلاد، وقادوها فترة طويلة. وإلى جانب «تيفا»، أقيم نحو 12 مصنعاً آخر، منها مصنع أرا الذي أقيم في حي بيت فيغان في القدس على يد الدكتور فيرنر نيل، المولود في ألمانيا.
في عام 1901، أسس حاييم سالومون، ابن يوئيل موشيه سالومون، ذاك الذي تتناوله «قصيدة يوئيل موشيه سالومون» (المعروف من القصيدة)، وصهره غوتل ليفين، متجراً للأدوية في القدس، ثم افتتحا فروعاً أخرى في يافا وحيفا. وفي كل مرة كانا يضمان فرداً آخر من العائلة، إلى أن وحدوا جهودهم في شركة لتسويق الأدوية سميت «س.ل.أ» (اختصاراً لسالومون وليفين وألشتاين). وفي عام 1933، حظرت السلطات البريطانية استيراد الأدوية من ألمانيا، التي كانت حتى ذلك الحين أكبر مورد للأدوية لشركة «س.ل.أ». وعلى إثر الحظر، قرر الشركاء إقامة مصنع وإنتاج الأدوية بأنفسهم. وفي عام 1935، حين أسس الدكتور غونتر فريدلاندر «تيفا» في القدس، أقام نحمان سالومون ويتسحاق ليفين مصنع الأدوية «آسيا» في بتاح تكفا.
قبل تأسيس «تيفا» و«آسيا»، أقام الدكتور موشيه غروتو، وهو مهاجر من تشيكوسلوفاكيا، مصنع الأدوية «تسري» في شارع هاغرا في تل أبيب، وكان أول مصنع للأدوية في إسرائيل. أما حاييم نحمان بياليك فهو من أطلق عليه هذا الاسم.
في عام 1951، أثمرت علاقة حب بين داليا، حفيدة حاييم سالومون وعضوة في نواة حركة الكشافة في كيبوتس تل كاتسير، وبين أمين سر الكيبوتس إيلي هوروفيتس. تزوج الاثنان، وبدأ إيلي هوروفيتس العمل في المصنع منظفاً لأنابيب الاختبار في المختبر. ومع مرور الأيام، عُيّن هوروفيتس مديراً عاماً لشركة «آسيا»، وتحت إدارته اندمجت «آسيا» و«تسري» عام 1964. وبعد أربع سنوات، اشترى هوروفيتس، في مناقصة، أسهم «تيفا» من بنك تنمية الصناعة، ودمج جميع الشركات في شركة واحدة باسم «تيفا للصناعات الصيدلانية»، المعروفة أكثر باسم «تيفا». وفي ظل إدارته، أصبحت «تيفا» واحدة من أكبر الشركات في مجالها في العالم، ويرجع ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى استراتيجيات الاستحواذ والاندماج.
تقدم للمناقصة نفسها معاً أيضاً الدكتور غونتر فريدلاندر وصديقه الدكتور رؤوفين هيخت، مؤسس صوامع حيفا، لكنهما خسرا لأن إيلي هوروفيتس عرض سعراً أعلى. تحطم الحلم الصهيوني للدكتور فريدلاندر، وأصيب بجلطة دماغية تسببت في شلل الجانب الأيسر من جسده. وفي أواخر عام 1968، باع الدكتور فريدلاندر أسهمه وتقاعد. وبعد سبع سنوات قاسية وتعيسة، توفي ودُفن في القدس عن عمر ناهز 73 عاماً. وفي سبتمبر 2016، سميت ساحة في حي بيت فيغان في القدس باسمه.





תגובות
עדיין אין תגובות.