وضع أسس المدينة ونال لقب «أبو المدينة». هذا هو الرجل الذي تحقق حلمه في حياته.
رؤية المدينة العبرية
كان مئير ديزنغوف أول رئيس لبلدية تل أبيب، أول مدينة عبرية. وكان يرى في مخيلته المدينة وقد أصبحت متطورة ومتقدمة. قال في مقابلة صحفية عام 1921: «إننا نخوض أهم تجربة على امتداد تاريخ شتاتنا: نريد أن نثبت كيف سندير مدينة جديدة وعصرية، تكون يهودية بالكامل، نضيئها بأنفسنا، ونحرسها بأنفسنا، ونطورها بأنفسنا، ونحافظ على نظافتها وصحتها بأنفسنا».
في تلك الفترة، أنشأ ديزنغوف جهاز الرقابة البلدية في تل أبيب، فكافأه هذا الجهاز بمحضر ضبط: «أنا الموقع أدناه، بينما كنت على شاطئ البحر، رأيت السيد ديزنغوف يدخل البحر للاستحمام من دون سروال سباحة. لم يكن معه سوى منشفة. اقتربت من البحر وسألته أين سروال السباحة... فدخل المذكور إلى عمق أكبر، وانتظرت حتى خرج... أجاب السيد ديزنغوف بأنه سيحضر سروال سباحة في المرة القادمة... وقال لي الشرطي أبراهام ديامانت إن الأمر نفسه وقع له مع ذلك السيد. يرجى اتخاذ إجراءات بحق هذا الرجل».
من صربيا إلى أحوزات بايت
وُلد مئير ديزنغوف في صربيا (مولدوفا حاليا) عام 1861. نشأ في أسرة متدينة، ودرس في «الحيدر» وتلقى تعليمه على أيدي معلمين خصوصيين. وفي عام 1882 تلقى أمر تجنيد في الجيش الروسي، وعلى خلاف معظم اليهود في ذلك الوقت، امتثل للخدمة وعُين محررا في صحيفة الجيش.
بعد خدمته العسكرية، انتقل إلى أوديسا وانضم هناك إلى المنظمة الثورية «نارودنايا فوليا» (إرادة الشعب)، التي اغتال أعضاؤها القيصر ألكسندر الثاني. وعندما كُشفت عضويته في المنظمة عام 1885، اعتُقل ومكث في السجن 8 أشهر. وكانت تزوره هناك صديقته المقربة تسينا برنر، وتحضر له الطعام وترفع معنوياته. وفي السجن خطط لخطوته التالية، وعندما خرج التقى يهودا ليب بينسكر وموشيه ليب ليليانبلوم. وأفضت هذه اللقاءات إلى تأسيسه فرعا لجمعية «أحباء صهيون».
بعد عامين من سجنه، غادر أوديسا وانتقل إلى باريس، حيث درس الهندسة الكيميائية. ثم انتقل إلى ليون ليتخصص في صناعة الزجاج، والتقى البارون إدموند دي روتشيلد الذي أقنعه بالهجرة إلى البلاد وإدارة مصنع القوارير الذي أنشأه في طنطورة (دور). وكان ذلك أول منشأة صناعية في أرض إسرائيل.
هاجر مئير ديزنغوف إلى البلاد عام 1892، والتقى مجددا بصديقة شبابه الجميلة تسينا برنر، التي كانت تصغره بـ11 عاما. تزوجا في الإسكندرية، وعندما عادا إلى طنطورة أصيبت تسينا بالملاريا، وتوفيت ابنتهما البكر عن عمر شهرين. وفي عام 1894 أُغلق مصنع القوارير، وعاد الزوجان إلى أوديسا لإدارة مصنع زجاج يملكه بلجيكيون.
التقى ديزنغوف في أوديسا آشر تسفي غينتسبيرغ (أحد هعام)، وشمعون دوبنوف، وبياليك ودرويانوف (أُطلقت أسماؤهم على شوارع في المدينة التي أسسها)، وعمق نشاطه في حركة «محبة صهيون». وفي عام 1904 بادر إلى تأسيس شركة «غئولا» لشراء الأراضي في أرض إسرائيل، وباع أسهم الشركة في روسيا لجمع المال اللازم لشراء الأراضي. وفي أواخر عام 1905 عاد إلى البلاد على رأس شركة «غئولا». وبأموال الشركة اشترى كرم جيبلي، حيث أقيم أول حي في تل أبيب.
أسس مئير ديزنغوف عام 1906، مع صاحب الفكرة، صانع الساعات عقيبا أريه فايس، «جمعية بناة البيوت في يافا». وهدفت الشركة إلى إقامة حي عبري حديث خارج يافا المكتظة والقذرة. وأُجري سحب على قطع الأراضي، وبدأ المؤسسون الـ66 ببناء بيوتهم. وسُمي الحي «أحوزات بايت».
انتُخب ديزنغوف عام 1911 رئيسا للجنة الحي، وظل في منصبه حتى انتُخب عام 1921 أول رئيس لبلدية مدينة تل أبيب.
رافقت تسينا زوجته ديزنغوف في كل خطوة خطاها: «كانت بمثابة أم للمدينة الفتية التي كانت تنشأ، مثلما كان زوجها بمثابة أب لهذه المدينة. عرفت كيف تحب حبا شديدا شعبها وبلادها وأبناءها وبناة المدينة، وفوق كل شيء تل أبيب، طفلتها المدللة. كان كل فناء وكل زهرة وكل شجرة عزيزا ومحببا إليها»، هكذا وصفها الكاتب دافيد سميلانسكي.
قيادة تل أبيب الفتية
جلبت تسينا الثقافة الأوروبية إلى تل أبيب الصغيرة. وتحول بيتهما إلى مركز للحي، وكان السياسيون والمثقفون يترددون عليه. كتب ديزنغوف في مذكراته: «كان الجميع يأتون ليروا ويُروا، وليحكوا ويسمعوا آخر الأخبار في البلاد وفي اليشوف». عملت تسينا في التدريس والنشاط الخيري، وكانت تكن مودة خاصة لأطفال المدينة. وأنشأت في بيتها صالونا للنخبة الروسية، وكانت من أبرز الداعين إلى ترسيخ اللغة الفرنسية. تحدثت عن إحياء اللغة العبرية، لكنها لم تكن تتقنها.

أسس ديزنغوف في يافا شركة تجارية للاستيراد والتصدير والملاحة البحرية (م. ديزنغوف وشركاه)، بالشراكة مع مئير أريسون (والد تد أريسون وجد شاري أريسون). وما زالت الشركة قائمة حتى اليوم، وهي وكيلة شركة الملاحة البحرية «تسيم».
في عام 1910، حصل حي «أحوزات بايت» على اسم تل أبيب، تيمنا بالترجمة العبرية التي وضعها نحوم سوكولوف لكتاب هرتسل «ألتنويلاند». لم يكن الاسم غريبا على ديزنغوف، فقد اشترت شركة «غئولا» التي كان يديرها، قبل ذلك بثلاث سنوات، أرضا في نيس تسيونا، وأقامت هناك حيا وشارعا باسم تل أبيب. في زمن كان فيه بطل الناس فلاحا من الوادي، كان بطل ديزنغوف من أبناء الطبقة الوسطى. كان ديزنغوف يستيقظ باكرا، ويمتطي فرسه مئيرا، وينطلق في جولة في مدينته ليتأمل التغييرات التي طرأت في اليوم السابق. وكان يحيي السكان، بل ويصعد الأطفال الذين يركضون نحوه على صهوة فرسه. وفي الساعة السابعة كان يصل إلى مكتبه ليباشر الأعمال المكتبية، وكان يخرج أحيانا في جولة على صهوة فرسه مع مهندس المدينة يهودا مغيدوفيتش. وفي إحدى المرات وصلا إلى المكان الذي أقيمت فيه لاحقا ساحة أتاريم، حيث حلم ديزنغوف ببناء منطقة صناعية. فقال له يهودا مغيدوفيتش إن الأفضل في منطقة الشاطئ هو بناء الفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه، وتجهيز الشاطئ للاستحمام، لا إقامة منطقة صناعية. لكن ديزنغوف أجابه بحزم: «اليهود لا يحبون الاستحمام في البحر».
وصفت صحيفة «دوآر هايوم» نشاط مئير ديزنغوف: «كانت يدا السيد ديزنغوف مشغولتين دائما بعمل متشعب الجوانب. وكانت شقته الصغيرة تجمع الناشطين من المدن والمستوطنات. وكان الفلاحون والتجار والعاملون في التعليم والثقافة والأدب والفن وما إلى ذلك يجدون لديه أذنا مصغية في منزل السيد ديزنغوف اليقظ والنشيط. استقبل السيد ديزنغوف جميع أبناء اليشوف بوجه بشوش. وفي وقت قصير كسب أصدقاء ومقدرين من مختلف الأوساط والطبقات. وأدرك الجميع أن «صالون» ديزنغوف أشبه بمصنع لإنتاج الخطط والمشاريع الكبرى».
خلال الحرب العالمية الأولى، برز ديزنغوف قائدا حقيقيا، لا مجرد رئيس للبلدية. ففي ربيع عام 1917، تقدم البريطانيون من الجنوب إلى الشمال، وخشي العثمانيون أن يساعد سكان حي تل أبيب البريطانيين ضدهم. فأصدر العثمانيون، بتوقيع أحمد جمال باشا، الحاكم العسكري لأرض إسرائيل في تلك الأيام، أمرا بترحيل سكان تل أبيب. ونظم مئير ديزنغوف «لجنة الهجرة» وترأسها، وقاد المرحلين إلى المكان الجديد.
أثناء الترحيل، سافر ديزنغوف من تل أبيب إلى حيفا، ثم واصل طريقه إلى دمشق، حيث أقام علاقة طيبة مع أحمد جمال باشا، الذي ساعد ديزنغوف على تحسين ظروف المرحلين. وأظهر ديزنغوف براعة دبلوماسية ومسؤولية قيادية، فنال لقب «ريش غلوتا» (رئيس الجالوت). وخلال الترحيل، نشرت الصحف أن العثمانيين يرتكبون فظائع بحق اليهود، فكتب ديزنغوف: «ذهبنا جميعا إلى القدس. استقبلنا جمال باشا في مكتبه. أخذ ورقة من على مكتبه وقال ضاحكا ضحكة خفيفة: «إن أعداءنا، الفرنسيين والإنجليز، يبحثون عن أسباب... لإهانة كرامتي. هل سمعتم الأخبار التي تتداولها وكالة هافاس في أنحاء العالم؟» عندها رفع الورقة التي في يده وبدأ يقرأ كلمة كلمة: «بأمر من جمال باشا، قُتل 100 يهودي في تل أبيب، وطُرد الباقون منها بوحشية مروعة... حالة المرحلين مروعة، فهم يموتون في الطريق جوعا ومن أمراض مختلفة. أحقا قتلت يهوديا واحدا في تل أبيب؟» التفت جمال باشا إلى ديزنغوف. «لا»، أجاب ديزنغوف... «أحقا أمرت بشنق 100 شخص؟ أليس هذا محض افتراء؟ طوال الوقت لم أصدر أوامر بالإعدام إلا بحق 20 شخصا. وفي اليوم الذي أضطر فيه إلى إصدار أمر بالإعدام، لا أريد أن أتحدث إلى أحد ولا أن أرى أحدا، ولا أغمض عيني طوال الليل. هل أضطهد المرحلين من تل أبيب؟» سأل جمال باشا ديزنغوف. «لكن أوضاعهم سيئة جدا وهم يعانون»، أجاب ديزنغوف. «ولماذا لم تلجأوا إلي ولم تبلغوني بهذه الأوضاع؟» سأله جمال باشا غاضبا. «أتعلم أنني أستطيع معاقبتك على ذلك بصفتك مختار تل أبيب؟»... أجاب ديزنغوف جمال باشا: «لم نرد أن نزعج سعادتكم، وأبلغنا الحاكم بالأوضاع». «الحاكم؟ أيوجد حاكم الآن؟ عليكم إبلاغي بكل شيء، لا أي شخص آخر... أعينك (ملتفتا إلى ديزنغوف) رئيسا للجنة إغاثة المهاجرين. خذ معك عضوين آخرين، أحدهما من تل أبيب والآخر من بتاح تكفا. سأعطيكم الآن 3000 ليرة إضافية، وعليك (ملتفتا إلى ديزنغوف) أن تكون في الموقع وأن تعد لي تقريرا عن أوضاع المهاجرين. ينبغي توفير العمل للمهاجرين القادرين على العمل، وكذلك للنساء والأطفال».
عانى المرحلون بالفعل الجوع والمرض، ومات بعضهم ودُفنوا في مقابر كينيرت وكفار سابا وبتاح تكفا. وفي أواخر عام 1918، بعد نحو عام ونصف على الترحيل، وبعد أن كان البريطانيون قد احتلوا شمال البلاد، عاد السكان إلى بيوتهم، وعاد ديزنغوف إلى تل أبيب وانتُخب مجددا رئيسا للجنة.
في إطار نشاطه، اهتم ديزنغوف أيضا بالعلاقات العامة والترويج لتل أبيب. ففي أواخر عام 1918، عندما هزم البريطانيون بقيادة الجنرال اللنبي العثمانيين، قرر ديزنغوف دعوة الجنرال لزيارة مدينته. وكان الحي الجديد قد بدأ ينشأ في ذلك الوقت، وأُطلق على شارعه الرئيسي اسم «شارع البحر». واقترح ديزنغوف، تقديرا للجنرال الذي انتزع البلاد من العثمانيين، أن يسمى الشارع باسمه. ودُعي اللنبي إلى حفل مهيب، وخاطبه ديزنغوف قائلا: «يا صاحب السعادة! بدافع مشاعر عميقة من التقدير والامتنان لمحرر البلاد، قرر سكان تل أبيب تسمية هذا الشارع، أكبر شوارع حينا، باسم الجنرال اللنبي، ليكون هذا الاسم ذكرى خالدة للتغيير الذي طرأ على البلاد». وفي ذلك الوقت، كان «أكبر الشوارع» هو الشارع الوحيد، ولم يكن فيه سوى بيتين.
سنواته الأخيرة والميراث
توجد عدة روايات للقصة التالية. إحداها رواية يوناتان شلونسكي الواردة في كتابه «أرارات»: خلال احتفالات بوريم عام 1924، سار السيد ديزنغوف على صهوة فرسه في مقدمة موكب بوريم، المعروف باسم «الأدلايادا». وفي الطريق شعر بدوار خفيف، فقرر العودة إلى بيته وأسرع إلى غرفة النوم. وكم كانت دهشته كبيرة عندما وجد باب الغرفة مقفلا. ففتحه بشيء من الإصرار، وصُدم حين رأى تسينا زوجته مع رجل غريب. وازداد ذهوله عندما اكتشف أن الرجل لم يكن سوى الكاتب آشر تسفي غينتسبيرغ (أحد هعام). وتسربت القصة، وفي مقهى قريب كُتبت أغنية ساخرة عن الحادثة، أضاف كل مشارك فيها سطرًا. ووبخ ديزنغوف أحد هعام، بل وتوقف عن التحدث إليه.
أما الرواية الأخرى فترد في كتاب البروفيسور يوسف كلاوزنر «طريقي نحو النهضة والخلاص»: «لا يعلم إلا القليلون أن أحد هعام أحب، في الثلاثينيات والأربعينيات من عمره، تسينا ديزنغوف الجميلة، زوجة مئير ديزنغوف رئيس بلدية تل أبيب، حبا رقيقا محتشما ونبيلا، وإن لم يبح بحبه لها ولا لأي شخص آخر قط. وقد استاء مئير ديزنغوف من ذلك من دون وجه حق، ولمح ذات مرة لأحد هعام إلى الأمر بقدر غير قليل من الفظاظة، فامتنع الاثنان عن التحدث أحدهما إلى الآخر بضع سنوات. إلى أن أدرك ديزنغوف أخيرا أنه أخطأ، وتصالحا في أواخر حياتهما وعادا صديقين».
ومن بين مناصبه الأخرى، عمل ديزنغوف قنصلا لبلجيكا، وفي إطار منصبه استضاف في تل أبيب عام 1933 ملك بلجيكا ألبير الأول، وأطلق اسمه على ساحة الملك ألبير.
كان ديزنغوف يؤمن بأن «كل من يريد أن يتولى قيادة جمهور، عليه أولا أن يحب هذا الجمهور من كل قلبه». وكان يضيف عن سكان المدينة: «تعود شعبية تل أبيب إلى عوامل مختلفة، منها النشاط والجرأة اللذان يتمتع بهما أهل هذه المدينة. فالجرأة ضرورية حتى للجرأة، وتل أبيب تملك جرأة الإقدام».
أوصى مئير ديزنغوف في حياته بأن يُخصص بيته لمتحف تل أبيب للفنون. وفي 14 مايو 1948، أعلن بن غوريون قيام الدولة في بيته. كما حظي في حياته بقص شريط افتتاح الشارع الذي يحمل اسمه، وهو شارع يصل إلى أول ساحة في تل أبيب، تحمل اسم زوجته «ساحة تسينا». توفيت تسينا بمرض خطير عام 1930، وبعدها بست سنوات توفي مئير ديزنغوف. حزن عليه جميع أبناء اليشوف في البلاد، وأعلن مجلس البلدية الحداد ثلاثة أيام.






תגובות
עדיין אין תגובות.