هذه قصة حركة راديكالية نادت بفصل الدين عن القومية، وقدمت بديلا عن الصهيونية. قادها شاعر موهوب ولساني مؤدلج لا يعرف المساومة.
أوريئيل شلاح-هلبيرين («يوناتان رطوش»)
بداية الكنعانيين والرؤية العبرية
من المتعارف عليه تحديد نقطة التحول التي أفضت إلى تأسيس حركة «الكنعانيين» بلقاء عَدْيا حورون ويوناتان رطوش عام 1938. وبعد عام، أسس الاثنان «لجنة بلورة الشباب العبري»، وهي هيئة وضعت نصب عينيها إعادة تشكيل هوية الأمة الناشئة في أرض إسرائيل. تجدر الإشارة إلى أن اسم «الكنعانيين» نشأ في الأصل كلقب تهكمي أطلقه الشاعر أبراهام شلونسكي، ومع ذلك اختار أعضاء الجماعة تبنيه باعتزاز، رمزا للعودة إلى جذور محلية ضاربة في القدم، تسبق الديانة اليهودية. وفي صميم الأيديولوجيا الكنعانية كان الفصل الحاسم بين مفهومي اليهودية والعبرية. في عام 1943 نشر يوناتان رطوش بيانه التأسيسي «رسالة إلى الشباب العبري»، الذي استهل بالإعلان التالي: «إن لجنة بلورة الشباب العبري لا تدعوك إلى مغادرة الإطار التنظيمي الذي أنت فيه بإرادتك، عن وعي واختيار، وبحكم الظروف، والذي تجد فيه أقصى درجات الإشباع الشخصي، والذي اخترت أن تكرس قوتك له، وتكون مستعدا فيه، حين يحين الوقت، لأن تضحي بحياتك أيضا...» وتوضح أسطر أخرى من البيان المبادئ الراديكالية للحركة والانفصال الذي طالبت به عن ماضي المنفى: «إن لجنة بلورة الشباب العبري تدعوك إلى إدراك عمق الهوة والاغتراب اللذين يفصلان بينك، أيها الشباب العبري، وبين أبناء المنفى اليهودي جميعا. ولا تخاطبك لجنة بلورة الشباب العبري بسبب إبادة هذا العدد أو ذاك من اليهود في هذا المنفى أو ذاك، ولا لأن الوزن النسبي للييشوف قد ازداد بهذا القدر أو ذاك في حساب الشتات اليهودي العالمي [...] إن لجنة بلورة الشباب العبري تخاطبك لأنك عبري [...] لا باعتبار ذلك حلا للمسألة اليهودية [...] ولأن الواقع الذي تشكلت فيه شخصيتك هو الواقع العبري، ولأن جسد روحك هو مشهد الوطن، وماضيك ليس إلا ماضي الوطن.»
اعتقد رطوش أن اليهودية ديانة عالمية لا تستند إلى قاعدة إقليمية محددة، شأنها شأن الإسلام أو المسيحية، ولذلك لا يمكنها أن تكون أساسا لقومية حديثة. ووفقا لرؤيته، يمكن للمرء أن يكون يهوديا في أي مكان من العالم، أما العبري فلا يكون إلا من كانت لغته العبرية وكانت جذوره مغروسة فعليا في البلاد. وفي حين تستند اليهودية إلى تقاليد حكماء إسرائيل والشريعة والتلمود، استلهم الكنعانيون تاريخ شعوب الشرق القديم، والأساطير السامية، والثقافة الأوغاريتية. وعلى خلاف الصهيونية التي سعت إلى حماية المصالح اليهودية العالمية، تمثل هدف الكنعانيين في إقامة أمة عبرية جديدة تندمج في الحيز الجغرافي. وشملت هذه الرؤية أيضا دمج العرب في الأمة، سعيا إلى إنشاء مجتمع من «يهود بلا يهودية وعرب بلا إسلام».
لم ير الكنعانيون في الشعوب العربية المحيطة أعداء على أساس ديني. فبحسب رأيهم، العرب شعوب أصيلة أفسدها الدين الإسلامي، لكن أصولها سامية-عبرية. وتخيلت الرؤية الكنعانية إقامة «دولة عبريين» تمتد على كامل الحيز السامي، وتوحد الناطقين بالعبرية والعربية تحت هوية قومية ولغوية واحدة.
جافت الحركة الصهيونية، التي رأت فيها حركة يهودية دينية تسعى إلى حل «المسألة اليهودية» بدلا من تأسيس أمة جديدة. ووفقا لزعمهم، نشأ في أرض إسرائيل جيل جديد لغته الأم هي العبرية، وتشكلت حياته بفعل المشهد المحلي، ولذلك لا تربطه صلة ملزمة باليهودية التي نشأت في المنفى. وقادتهم هذه الرؤية إلى النضال من أجل إلغاء تسجيل القومية «يهودي» في بطاقات الهوية واستبدالها بقومية «عبري» أو «إسرائيلي».
على الرغم من أن الجمع بين العلمانية التامة، وفصل الدين عن الدولة، والتركيز على الإقليم باعتباره أساس المواطنة، يذكر اليوم بمواقف ترتبط باليسار الراديكالي، فإن فحص المصادر يكشف صورة أكثر تعقيدا، إذ إن رطوش ورفاقه جاءوا تحديدا من أكثر أجنحة السياسة العبرية قومية ويمينية في ذلك الوقت.
أوريئيل هلبيرين في شبابه
ولد أوريئيل هلبيرين عام 1908 في وارسو، في مهد عبري. كان والده، يحيئيل هلبيرين، مربيا وكاتب قصص أطفال عبرية معروفا، وكانت والدته بنينا معلمة روضة عبرية. وكان والداه، صديقي والدي ألتَرمان، من أنصار اللغة العبرية، وحرصا على التحدث بالعبرية وحدها في منزلهما. وغرست هذه البيئة في أوريئيل شعورا بأن العبرية ليست مجرد لغة مقدسة أو وسيلة للتواصل، بل جوهر وجودي وعامل يحدد القومية.
على أثر تقلبات الحرب العالمية الأولى، انتقلت الأسرة إلى أوديسا، وفي عام 1919 هاجرت إلى أرض إسرائيل على متن سفينة «روسالان»، برفقة الشاعرة راحيل، والمؤرخ يوسف كلاوزنر، والدكتور موشيه غليكسون، الذي أصبح لاحقا محرر صحيفة «هآرتس»، والمهندسين والمعماريين يهودا ماغيدوفيتش وزئيف ريختر، والراقص باروخ أغداتي، ورسام الكاريكاتير أرييه نافون، ويسرائيل غوري، عضو الكنيست ووالد الشاعر حاييم غوري، والدكتور حاييم يسكي، مدير مستشفى هداسا، وروزا كوهين، والدة يتسحاق رابين، والنحات موشيه تسيبر، وراحيل كوهين-كاغان، عضو الكنيست الأولى، وكثيرين غيرهم.
نشأ أوريئيل الشاب في القدس وتل أبيب، ودرس في المدرسة الثانوية العبرية ومدرسة «هرتسليا» الثانوية. وفي عام 1926 درس الحقوق سنة واحدة، ثم سافر إلى فرنسا ليدرس اللسانيات في السوربون، حيث التقى المؤرخ واللساني ع. غ. حورون. وقد أسس لقاء هذين العملاقين حركة الكنعانيين وأفضى إلى نشأتها. وعندما عادا إلى إسرائيل، أسسا الحلقة الأولى الملتزمة بالحركة، وقد أصبح كثير من أعضائها لاحقا مبدعين وصحفيين وكتابا وشعراء معروفين. وفي تلك الفترة، تعرف قراء صحيفة «هآرتس» إلى قصيدة رطوش الأولى، ثم نشرت مجموعته الشعرية الأولى في مجلة «توريم»، التي كانت المنبر المركزي لجماعة «ياحداو» ولجيل الحداثة في أرض إسرائيل، بقيادة الشاعر أبراهام شلونسكي. وكانت تلك القصائد «سيرينادا» و«غابة» و«أفريون» و«إلى خدّك»، ولم تنشر قصيدتاه «على صورته» و«أبشالوم» إلا بعد 13 عاما. وقد زوده تعليمه في الحقوق واللسانيات، الذي تلقاه في فرنسا، بالأساس العلمي الذي استخدمه لاحقا في تحليل اللغات السامية وابتكاراته اللغوية.
في تلك السنوات، وبناء على طلب بن تسيون نتنياهو، والد بنيامين نتنياهو، بدأ يوناتان رطوش العمل في صحيفة «هيردن»، لسان حال الحركة التنقيحية. وقاده هذا النشاط مباشرة إلى الإيتسل، حيث استعان أبراهام شتيرن ودافيد رازيئيل، من قادة التنظيم السري، بمهاراته في صياغة دليل «المسدس». وبعد الانشقاق في الإيتسل، انضم رطوش إلى ليحي، وتولى هناك أيضا تحرير صحيفة التنظيم «هَمَبَراق».
تجديدات اللغة والإبداع
في تاريخ الثقافة العبرية الحديثة، قلما نجد شخصيات أحدثت عاصفة بهذه الحدة والتعدد والاستمرار، كتلك التي أحدثها يوناتان رطوش. أما إرثه الأوضح والأدوم فهو إسهامه الهائل في اللغة العبرية. آمن رطوش بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي التي تشكل الفكر والهوية القومية. ورأى أن إنشاء أمة عبرية جديدة يتطلب مفردات تنقي اللغة من تأثيرات المنفى والكلمات الأجنبية، ولذلك يعد من أبرز مجددي المفردات في العصر الحديث. وقد وثقت دراسة شاملة أجرتها البروفيسورة ميخال إفرات، زوجة شقيق رطوش، في كتابها «الكلمات التي تفرض نفسها»، نحو 4,000 ابتكار لغوي ينسب إليه. وانطلق رطوش من فهم عميق لقواعد اللغات السامية، مستخدما أبنية صرفية قديمة، مثل اللاحقة -ونة، ومنقبا عن جذور توراتية وأوغاريتية.
ومن المدهش أن بعض الكلمات التي ابتكرها رطوش أصبحت جزءا لا يتجزأ من العبرية الحديثة، أحيانا من دون أن يعرف المتحدثون أصلها. ومنها: «هَسْلاماه»، أي التصعيد، وقد اشتقها رطوش من كلمة «سُلّم»؛ و«مَمْساد»، أي المؤسسة، وهو ابتكار أصبح جزءا لا يتجزأ من الخطاب السياسي والاجتماعي؛ و«تَشْتِيت»، أي البنية التحتية، وهي مشتقة من الجذر ش.ت.ت؛ و«حَتيخ»، أي الشاب الوسيم، وهو من أكثر ابتكاراته إثارة للدهشة. فقد أخذ رطوش كلمة «حَتيخاه» التي كانت دارجة آنذاك للدلالة على امرأة جذابة، وحولها إلى صفة مذكرة معيارية ظاهريا، لاقت قبولا استثنائيا لدى الجمهور؛ و«أوفنواع»، أي الدراجة النارية، التي حلت محل عبارة «عربة مزودة بمحرك» أو «موتوسيكل».
تكاد قصائده تخلو من الأيديولوجيا، ومعظمها قصائد شخصية وقومية في آن واحد. وهي من أجمل قصائد الحب التي كتبت بالعبرية، إلى جانب قصائد عن التضحية والمعاناة، وقصائد تتمحور حول شخصيات توراتية. وتمتاز قصائد «مظلة الزفاف السوداء» بإيقاع التعويذة الهامسة، وبالعبرية القديمة الموغلة في القدم، وباستخدام كلمات أوغاريتية؛ ويغلف كثيرا منها جو «طقس أسطوري»، يكاد يكون وثنيا. نشر رطوش ثمانية كتب، وتبدو بالفعل في كتابه الأول «مظلة الزفاف السوداء» سمات التجديد والجرأة والجمال التي ستطبع شعره.
لحنت بعض قصائد رطوش، ومن أشهرها قصيدة «على الخطيئة»، التي لحنها زفيكا بيك وأداها. ولحن إيلان فيرتسبيرغ قصيدته «مليون»، وأدتها عوفرا حازة، وللقصيدة لحن آخر من تلحين شيم طوف ليفي، بأداء أريك أينشتاين. كما لحن شيم طوف ليفي قصيدة رطوش «لو أنك أتيت» وأداها. ومن قصائده الأخرى المعروفة «تقريبا»، التي لحنها يغئال غوردون وغنتها نوريت غلرون.
ابتكر أوريئيل شلاح اسمه المستعار «يوناتان رطوش» عام 1937، حين نشر قصيدة «توراة». وكان من الأسباب الرئيسية لاختياره اسما مستعارا خشيته من أن تضر مواقفه التنقيحية بمكانته. ومع مرور الزمن، ظهرت تفسيرات مختلفة لمعنى الاسم: فقد شهد شقيقه عوزي أورنان بأن رطوش أراد الجمع بين المتناقضات، إذ يمثل «يوناتان» الرقة، فيما تمثل «رطوش» المشتقة من الجذر ر.ط.ش الصلابة. أما الباحث يوسف عوزير، فرأى أن كلمة «رطوش» تلمح إلى المصطلح التلمودي «متروك»، وبذلك تعبر عن هجر الماضي اليهودي المرتبط بالمنفى.
النشاط السياسي والكنعانية
بين عامي 1948-1953، صدرت مجلة «ألف» بصورة غير منتظمة، وكانت صوت «العبريين الشباب». وبعد ثلاث سنوات من بدء صدور المجلة، وأثناء انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي في القدس، وزع أعضاء الحركة منشورات شديدة اللهجة ضد الصهيونية. وفي شهر سبتمبر من العام نفسه، عقد المؤتمر التأسيسي للحركة، وعقبه تقديم طلب رسمي لتسجيلها جمعية قانونية. غير أن وزارة الداخلية تعمدت تأخير الموافقة، متذرعة رسميا بأن الشرطة لم تنته بعد من تحقيقها المعتاد بشأن الجمعيات السياسية.
قدرت الصحافة في تلك الأيام عدد أعضاء الحركة بنحو مئة شخص فقط، فيما زعم أعضاؤها أنفسهم أن عددهم يبلغ نحو 500. وفي يونيو 1952، بعد نحو تسعة أشهر من المؤتمر التأسيسي، طرأ تحول إثر اعتقال عاموس كينان للاشتباه في إلقائه قنبلة على منزل وزير المواصلات آنذاك، دافيد تسفي بنكاس. وشنت الصحافة هجوما على الحركة الكنعانية التي كان كينان عضوا فيها، وزعمت أن قادتها لا يخفون تأييدهم للعمل. كما نشرت أن أعضاء الحركة خططوا لعمليات ضد «متاجر السكريب»، وهي المتاجر التي كانت تبيع السلع المستوردة مقابل قسائم شراء بالعملة الأجنبية في فترة التقشف. ونفى أعضاء الحركة أي صلة لهم بالحادث، وزعموا أن كينان غادر صفوفهم قبل نحو عامين. لم يكن انتقال رطوش من اليمين المتطرف إلى الكنعانية تخليا عن القومية المتشددة، بل كان تشديدا لها. فبينما سعى التنقيحيون إلى إقامة دولة يهودية، أراد رطوش إقامة أمة عبرية منفصلة عن الصلة اليهودية العالمية. وآمن بأن القوة العسكرية والسيادة الإقليمية هما العنصران الوحيدان للقومية، وأن سائر العناصر، من الدين والتقاليد اليهودية، ليست إلا أثقالا تعيق ولادة الشعب الجديد.
كان من أبرز خصائص الحركة الكنعانية محاولتها تأسيس الهوية القومية على ماضي أرض إسرائيل السابق لليهودية. ووفقا لزعم رطوش، ثمة استمرارية ثقافية ولغوية بين الشعوب السامية التي عاشت في الهلال الخصيب في الألفية الثانية قبل الميلاد، وبين الأمة العبرية الحديثة. استلهم الكنعانيون من الاكتشافات الأثرية في تلك الفترة، ولا سيما «ملاحم أوغاريت»، وهي كتابات مسمارية اكتشفت في سوريا وكشفت عن أساطير سامية غنية. وقد عرض رطوش أساطير بعل، إله العواصف والأمطار، وعناة، إلهة الحرب والصيد، وإيل، أبو الآلهة، وعشيرة، إلهة الطبيعة، بوصفها بديلا للتوحيد اليهودي. وكانت هذه الآلهة، في نظره، تمثل ثقافة حيوية وغريزية وأرضية، ترتبط بدورة الفصول وبالطبيعة المحلية، على خلاف اليهودية التي اعتبرها ديانة مجردة ومنفصلة عن الأرض. وأصبح تمثال «نمرود» للفنان يتسحاق دانتسيغر رمزا بصريا للحركة، لأنه جسد صيادا عبريا قديما مرتبطا بالحجر الرملي في البلاد، ومنقطعا عن كل سمة يهودية تقليدية.
مع اندلاع حرب الأيام الستة، عاد رطوش إلى إصدار «ألف»، المجلة المركزية للأيديولوجيا الكنعانية. ودعا في أعقاب الحرب إلى فرض السيادة الإسرائيلية على جميع الأراضي المحتلة، طموحا إلى تأسيس أمة عبرية جديدة فيها تحل محل القومية اليهودية التقليدية. وكان من المفترض أن توحد هذه الأمة العبريين من أصول يهودية وعربية على حد سواء. ووفقا لتصوره، كان من المفترض أن يحصل العرب في هذه الأراضي على الجنسية في الدولة العبرية، وأن يتلقوا تعليمهم باللغة العبرية، وأن يتخلوا عن التقاليد الدينية اليهودية والإسلامية، لصالح بلورة ثقافة عبرية حديثة وعلمانية مدنية.
رأى رطوش أن تأسيس الأمة العبرية خطوة طليعية نحو إقامة قوة إقليمية منفصلة عن الأديان غير المرتبطة بإقليم. وتخيل أمة تمتد في أرجاء بلاد المشرق، تقوم على التحالف مع أقليات في الشرق الأوسط، مثل الأكراد والموارنة والدروز، الذين اعتبرهم من نسل الأمة العبرية الأصلية. وكانت هذه الرؤية ترمي إلى إحياء حديث لأيام مجد المملكة العبرية-الكنعانية في العصر التوراتي وما قبله. وتعبيرا عمليا عن هذه الطموحات، وافقت وزارة الداخلية عام 1970 على طلب رطوش، وسجلت القومية «عبري» في بطاقة هويته، في سابقة من نوعها.
إلى جانب عمله المعروف شاعرا ولسانيا، كان يوناتان رطوش مترجما غزير الإنتاج على نحو استثنائي. وقد قدم إلى القراء العبريين عشرات الكتب في التاريخ والعلوم والنثر، ونشر بعض أعماله تحت أسماء مستعارة، منها «يوسف لوز». كما ترك بصمته رائدا في مجال الخيال العلمي: ففي عام 1952، وتحت اسمه الأصلي أوريئيل شلاح، نشر مجموعة «كان يا ما كان في المستقبل»، وهي مختارات من القصص القصيرة لعمالقة هذا النوع الأدبي راي برادبري وأ. أ. فان فوغت.
عائلة وميراث وختام
تشابكت حياة يوناتان رطوش الشخصية مع مشروع حياته الأيديولوجي والأدبي. ففي عام 1933 تزوج رطوش زوجته الأولى، دفورا، ابنة شموئيل ورودا كاتزنلسون، وشقيقة الصحفي التنقيحي كلمان كاتزنلسون. وأنجبا عالم الرياضيات المعروف شَهَران شلاح والقاضي حمان شلاح. وشهدت الحياة العائلية مأساة قاسية حين قتل حمان شلاح وزوجته إيلانا وابنتهما تسليل في أكتوبر 1985، بعد وفاة رطوش، في هجوم إرهابي في رأس برقة نفذه جندي مصري.
ينحدر رطوش من عائلة وثيقة الصلة باللغة والمجتمع. وكان شقيقاه اللساني البروفيسور تسفي رين والبروفيسور عوزي أورنان، عضو أكاديمية اللغة العبرية والناشط البارز في قضايا الدين والدولة، الذي عمل كثيرا على حفظ الإرث اللغوي والفكري لشقيقه ودراسته.
تزوج رطوش لاحقا للمرة الثانية من يوهانا، المعروفة أيضا باسم يوحانا أو يوعانا، وكانت تعمل معلمة للموسيقى. ورزق الزوجان بابنة أطلقا عليها اسم كنعان، تيمنا بالحركة.
على الرغم من أن كثيرين رأوا في رطوش شخصية مثيرة للجدل بسبب مواقفه الحاسمة، فقد نجح في تكوين جيل من المبدعين تأثروا بعمق بقوة شعره وتجديده اللغوي، وتركوا بصمة لا تمحى في الثقافة العبرية.
تبدو شخصية رطوش، الذي توفي عام 1981، عبقرية ومأساوية في آن واحد. فقد حلم بإمبراطورية عبرية في الهلال الخصيب، وهي رؤية تحطمت أمام الواقع السياسي للقرن العشرين، لكن انتصاره الهادئ يكمن في لغتنا اليومية. ففي كل مرة ينطق فيها إسرائيلي كلمات ابتكرها رطوش، مثل «ممساد» أو «تشتِيت» أو «هَسْلاماه»، أو يشعر بصلته المباشرة بمشاهد الصحراء، فإنه يعبر عن إرث الرجل الذي أراد بناء عالم عبري من أنقاض الماضي. لقد زودنا رطوش بأدوات لمواجهة الأسئلة الجوهرية المتعلقة بوجودنا في البلاد، ولا يزال صوته، المتردد صداه في الأسطورة واللغة، أشد راهنية من أي وقت مضى، في عصر تعود فيه أسئلة الدين والقومية والهوية إلى واجهة المشهد.





תגובות
עדיין אין תגובות.