في حين أن مصطلح «الصهيونية»، الذي تبناه هرتسل وصاغه ناتان بيرنباوم للمرة الأولى عام 1890، هو فكرة قومية غابت عنها العناصر الدينية، فإن من المفارقات أن اثنين من بين «مبشري الصهيونية» الثلاثة كانا حاخامين.
الحاخام تسفي هيرش كاليشر
الثورة والرد اليهودي
مع بزوغ فجر 14 يوليو 1789، كان ملك فرنسا لويس السادس عشر قد أدرك أن الأزمة الاقتصادية التي كانت فرنسا تمر بها قد أفضت إلى نهاية حكمه. وفي اليوم نفسه، خرجت الجماهير الفرنسية واستولت على الباستيل، الذي كان أحد رموز الملكية. وسيُخلّد هذا الفعل لاحقا بوصفه بداية الثورة الفرنسية التي أدت إلى الاعتراف بضرورة المساواة في حقوق الإنسان. وكان نابليون أول من ساوى، بعد عامين، بين حقوق اليهود وحقوق غيرهم (التحرر المدني)، وهي مساواة شملت السماح لهم بالعمل في مهن مرموقة كالطب والمحاماة والصحافة وغيرها من المهن التي كانت مغلقة أمام اليهود حتى ذلك الحين. وكثيرا ما أدى منح المساواة في الحقوق والانفتاح إلى هجر الدين، بل وحتى إلى الذوبان في المجتمعات المحيطة.
رأى عدد غير قليل من قادة الجماعات اليهودية أن الحقوق الجديدة تشكل خطرا على اليهودية، وكان أشهرهم الحاخام موشيه سوفر شرايبر، المعروف باسم الحاتام سوفر (חת"ס). وهو من صاغ العبارة «الجديد محرّم من التوراة»، وعمل على منع افتتاح مدارس يهودية تُدرّس فيها المواد الدنيوية. وكانت سارة-سيريل، ابنة الحاخام عكيفا إيغر، الزوجة الثانية للحاتام سوفر. وقد برزت ذاكرة الحاخام عكيفا إيغر الاستثنائية وسرعة استيعابه منذ صغره. ففي السادسة من عمره بدأ يحل المعضلات التلمودية المعقدة، وحين كبر أصبح عملاقا روحيا وعبقريا، ولا تزال أساليبه في الدراسة متبعة حتى اليوم في ييشيفوت مختلفة. وهو أيضا، مثل الحاتام سوفر، رأى في المساواة في الحقوق الممنوحة لليهود خطرا على اليهودية. وكان الحاخام تسفي هيرش كاليشر من بين تلاميذ الحاخام إيغر.
وُلد الحاخام تسفي هيرش كاليشر في بولندا عام 1795، بعد نحو ثلاث سنوات من منح اليهود المساواة في الحقوق في فرنسا، لأبويه الحاخام شلومو كاليشر وزوجته راحيل. وانتقل إلى بوزنان ليدرس على يد الحاخام العبقري عكيفا إيغر تسفي، وكان من أوائل اليهود الذين درسوا المواد الدنيوية إلى جانب الدراسات الدينية، رغم معارضة معلمه. وقد انجذب إلى الفلسفة ودرس أفكار ديكارت وسبينوزا وموشيه مندلسون وكانط. عاش كاليشر على خط التماس الفاصل بين ثقافة الغيتو التقليدية المنغلقة في العالم الحريدي الذي نشأ فيه، وبين اليهودية في أوروبا الغربية التي اندمجت في محيطها وانفتحت على الدراسات الدنيوية والليبرالية والتجديد، وحاول طوال حياته التوفيق بينهما.
في الرابعة والعشرين من عمره، تزوج من السيدة غيتل، من عائلة كوهين في مقاطعة نيشافا، وبعد أربع سنوات انتقل الزوجان إلى مدينة تورون (مسقط رأس كوبرنيكوس) على ضفة نهر فيستولا في بولندا. وكانت غيتل امرأة قوية جدا، فتحملت عبء إعالة الأسرة وافتتحت متجرا صغيرا، ما أتاح لزوجها أن يكرس وقته كله للتفكير ومحاولة تحقيق رؤيته. وفي التاسعة والعشرين من عمره، عُيّن الحاخام تسفي كاليشر حاخاما لمدينة تورون، وهو منصب شغله لأكثر من خمسين عاما من دون أجر.
على خلاف الحاخام عكيفا إيغر ومحيطه، الذين رأوا أنه لا ينبغي استباق أوان الخلاص بتعجيله عن طريق استيطان البلاد، يمكن اعتبار الحاخام كاليشر أحد كبار الثوريين. فقد كان واحدا من «مبشري الصهيونية» الثلاثة، إلى جانب الحاخام يهودا حي ألكلعي وموشيه هس، أي حاخامين واشتراكي واحد. وقد ذكر موشيه هس الحاخام تسفي كاليشر بإعجاب في كتابه «روما والقدس»، لذا لا شك في أن الثلاثة كانوا على معرفة بعمل بعضهم بعضا.
كان الحاخام تسفي كاليشر أول من طرح المسألة القومية والسياسية للشعب اليهودي في أعقاب النهضة القومية لدى شعوب أوروبا. وكتب في مقدمة كتابه: «لماذا يضحي أهل إيطاليا وسائر البلدان بحياتهم من أجل أرض آبائهم، بينما نقف نحن بعيدا عن أرض يبدو أن جميع سكان المعمورة يقولون عنها: مقدسة؟».
وضع الحاخام كاليشر، الذي دعا إلى الهجرة إلى أرض إسرائيل واستيطانها، خطة مفصلة أوضح فيها أن على الناس كسب عيشهم من الزراعة، من خلال إقامة مدارس زراعية ووحدات حراسة لحماية الحقول والبساتين من العرب. وقبل نحو ثماني سنوات من تأسيس أول مدرسة زراعية، «مكفيه إسرائيل»، كتب في كتابه «طلب صهيون»: «مدرسة لتعليم علوم الأرض، وتربية فتيان بني إسرائيل وتعليمهم فلاحة الحقول والكروم، إلى جانب سائر العلوم المتصلة بذلك، مع التوراة والتقوى. وتكون تلك المدرسة في أرض إسرائيل...».
لم يكن الأمر، في نظره، مجرد شوق أو حلم، بل خطة قابلة للتنفيذ، وكل ذلك قبل نحو 30 عاما من صوغ مصطلح «الصهيونية»، وبذلك سبق هرتسل واستشرف قيام منظمة «هاشومير» (الحارس).
أدرك الحاخام كاليشر أنه لا ينبغي الاتكال على المعجزات، وأنه من أجل جلب اليهود إلى البلاد لا بد من شراء الأرض. وكان أول الحاخامات الذين قالوا إن «خلاص إسرائيل سيأتي تدريجيا...» وإن اتخاذ خطوات طبيعية أمر لازم للتقريب منه.
من الفكرة إلى الفعل
في الحادية والأربعين من عمره (عام 1836)، كتب الحاخام كاليشر إلى ماير أنشل روتشيلد (الابن البكر لمؤسس الأسرة المصرفية الشهيرة)، الذي كان مقيما في فرانكفورت، وطلب منه في رسالته شراء أرض إسرائيل من محمد علي. وأوضح له كاليشر أن هذه فرصة ذهبية، إذ إن الحاكم المحلي سيسعد بتلقي المال لقاء قطعة الأرض النائية التي لا تثير الاهتمام. وفصّل في الرسالة رؤيته: «حين يجتمع رؤساء شعب بني إسرائيل من جميع أصقاع العالم، ويحولونها إلى أرض معمورة واسعة بأبناء إسرائيل... وحين يكثر منفيّو إسرائيل في الأرض المقدسة وفي القدس، ويقدمون قرابينهم رائحة طيبة للرب، ويرممون المذبح المتهدم، عندها يكون ذلك مقبولا لدى سيد الجميع، فيشرق نور وجهه أمام شعبه». وكان من أحلام الحاخام كاليشر إحياء تقليد القرابين في جبل الهيكل.
في أكتوبر 1844، أرسل الحاخام كاليشر رسالة في الموضوع نفسه إلى السير موشيه مونتيفيوري، الذي كان آنذاك رئيس لجنة مبعوثي جماعات يهود إنجلترا. وكان لمونتيفيوري في ذلك الوقت بستان في يافا، فعرض كاليشر أن يعمل مشرفا على البستان. لكن مونتيفيوري رفض عرضه بأدب. وعلى الرغم من عدم استجابة مونتيفيوري وروتشيلد لطلباته، واصل كاليشر النظر إليهما بوصفهما «محسني إسرائيل وزعماءها»، ممن يستطيع بمالهم وصلاتهم أن يدفعوا رؤيته قدما.
بعث نجاح مونتيفيوري في الحصول، للمرة الأولى عام 1855، على موافقة السلطان لشراء أراض في أرض إسرائيل الأمل في نفس كاليشر. وبعد خمس سنوات، توجه إلى ألبرت كوهين، مدير المؤسسات الخيرية للفرع الباريسي من دار روتشيلد، طالبا المساعدة على تنفيذ خطته. وكان ألبرت كوهين قد زار البلاد في تلك الأيام، وتبرع لمستشفى ودار إطعام ومدرسة، كما ترك مالا لاستكمال بناء كنيس «الخراب». وفي رسالته إلى كوهين، شرح دور أصحاب الثروة: «ومن الواضح لي أن نور الفجر قد بدأ يشرق، إذ يمنحنا الرب زعماء من عظماء إسرائيل، مثل عائلة روتشيلد وأمثالها. وعن دورهم، يا سيدي كوهين، فقد ذاع صيتهم من أقصى الدنيا إلى أقصاها وتُسمع كلمتهم في البلاط الملكي، وكذلك في كل دولة من دول أوروبا، يوجد رجال من إسرائيل ذوو مكانة ومقدّرون لدى الملوك العظام، ملوك الإحسان في أيامنا» - ففي ثروتهم تكمن مسؤولية إعادة الشعب اليهودي إلى وطنه.
حين أسس حاييم لوريا «جمعية استيطان أرض إسرائيل» عام 1860، كان الحاخام كاليشر أحد رؤسائها. وأصدرت الجمعية كتابه «طلب صهيون»، الذي جمع أفكار الحاخام. وعند صدور الكتاب، توجه الحاخام كاليشر إلى حاخام فرانكفورت طالبا منه ضم ابن جماعته فيلهلم روتشيلد إلى الجمعية. وبعد عام، ترأس الحاخام كاليشر وابنه الحاخام يهودا لايب اللجنة في تورون، التي جمعت الأموال لبناء مساكن للفقراء في البلدة القديمة في القدس.
على الرغم من الصعوبات، حظي الحاخام تسفي هيرش كاليشر برؤية بعض جوانب رؤيته تتحقق. وبدأ ذلك بتأسيس جمعية «كل إسرائيل أصدقاء» في باريس عام 1860، التي أقرت بضرورة إنشاء مدارس زراعية في أرض إسرائيل، تماما كما حلم. وكتب كاليشر إليهم: «إلى نبلاء بني إسرائيل أبعث رسالتي هذه، وهم جمعية أهل الإحسان والمحسنين من الشعب، الساعين إلى الخير، محبّي يشورون، الأشراف والنبلاء، كل إسرائيل أصدقاء في مدينة باريس، حفظها الله... حين يجتمع رؤساء الشعب، وأسباط إسرائيل معا، يكون اجتماعهم لائقا بالصالحين ولائقا بالعالم، وتمتلئ الأرض كلها بثمار إحسانهم... ويقيمون حرّاسا على أسوار العالم... أعدوا وهيئوا مركبة لجمعية استيطان أرض إسرائيل لغرس الكروم: زيتونا للزيت وزرعا لمحاصيل الأرض وثمارها الممتازة... أليس في وسعكم شراء واقتناء حقول وكروم كثيرة بإذن السلطان، الذي سيصغي باهتمام إلى كلام الوزراء الذين بينكم؟ وعندها تعطي الأرض غلتها وثمرها المقدس لزرع مقدس...».
في عام 1868، التقى كاليشر بنابليون الثالث وقدم إليه اقتراحا لاستيطان القدس. وفي الوقت نفسه، تبادل الرسائل مع الحاخام إسحاق يعقوب راينس، مؤسس حركة «همزراحي»، وشجعه على مواصلة طريقه الصهيوني.
وأشرك الحاخام كاليشر ابنه وولف (زئيف) في رؤيته أيضا، وأرسله إلى أرض إسرائيل عام 1868 ليفحص خصوبة التربة، ويتحقق خصوصا مما إذا كان سكان البلاد، الذين عاشوا على أموال «الحالوكاه» (التبرعات)، سيوافقون على التخلي عن هذه الأموال لقاء الاستيطان والعمل في الزراعة. ووضع وولف خطة لهذا الاستيطان بالقرب من القدس، مع نظام داخلي يذكّر بصيغة الكيبوتس المعروفة لنا اليوم.
كان كاليشر على خلاف مع معلمه عكيفا إيغر والحاتام سوفر بشأن فكرة إحياء طقوس القرابين. كما نشب خلاف بينه وبين أهل الييشوف القديم، إذ رأوا أن أفكاره تهدد «أموال الحالوكاه» التي اعتمدوا عليها، وأنه يدعو إلى العمل، بل وإلى العمل الشاق في فلاحة الأرض.
الحلم بالقدس
كان حلم الحاخام تسفي هيرش كاليشر أن يستوطن القدس ويقيم فيها ييشيفا. وكتب عام 1872 إلى هيئة تحرير صحيفة «هلبانون»: «منذ نحو ثلاثين عاما وأنا أعمل على الاستيطان في أرضنا المقدسة، وكأنما كان في قلبي نذر بأن أصعد بنفسي إلى جبل القدس وأسكن في ساحاته. والآن تضطرب روحي وتثور في داخلي: إن لم يكن الآن، فمتى أفي بنذري للرب؟... وأن أعمل بفهم في شراء واقتناء أرض ميراث يعقوب قرب أريحا وصفد وطبرية، التي يريد السلطان بيعها بثمن بخس. فالأرض هناك طيبة، ولا خوف من الحمير الوحشية».
للأسف، لم يتحقق حلمه. ففي السابعة والسبعين من عمره، وكان مريضا ومنهكا، منعه أطباؤه من السفر إلى القدس، وبعد عامين أسلم روحه إلى خالقه ودُفن في تورون.
في عام 1974، بعد مئة عام على وفاته، هدمت بلدية تورون المقبرة اليهودية وشاهدة قبر الحاخام كاليشر. وسُمّي باسمه كيبوتس تيرات تسفي الديني في سهل بيت شان، وشوارع كثيرة في مدن إسرائيل.






תגובות
עדיין אין תגובות.