لا شك أن هذه واحدة من القصص التي ينبغي أن تدخل قاعة الأساطير الإسرائيلية عن حقبة الهجرة والرواد. قصة تكاد تكون مجهولة عن هولندي غريب وقع في حب البلاد وربط مصيره بإحياء الدولة. يستمتع أحفاده الفخورون بإرثه ويفتخرون برواية قصة فرانتس فان دير هورن.

رحلة الأفكار تنطلق
بدأ كل شيء في يوليو 1911: قرر ثلاثة أصدقاء مقربين، يتشاركون القيم ذاتها وهم مثاليون لا يساومون، أن يتركوا حياة الدعة التي كانوا ينعمون بها ومستقبلهم الواعد، وينطلقوا في رحلة حول العالم. لم تكن الرحلة نزهة لشباب أنهوا خدمتهم العسكرية، بل كانت رحلة على الأقدام تهدف إلى نشر أيديولوجيا آمنوا بها. كان الثلاثة أبراهام موسل، وهو رسام يهودي شاب وابن مُنشد ديني (حزّان)، وخرارد بْرَفورس، برفقة محبوبته ماري زوارتس التي تسللت من بيت والديها عندما بلغت الحادية والعشرين، وفرانسيسكوس (فرانتس) ياكوبس مارينوس فان دير هورن، شاب قوي البنية، طويل القامة وعريض الكتفين، وُلد في لاهاي لأسرة تتألف من ثمانية أطفال، وكان والده تاجر خضار. وهو بطل قصتنا. لم يكونوا مجرد أصدقاء، بل كانوا شركاء في أيديولوجيا رسمت رؤيا، ومنها انبثق أسلوب حياة أثر في تفاصيل حياتهم اليومية. كانوا أعضاء متحمسين في حركة الإسبرانتو (حركة دعت إلى لغة الإسبرانتو، أي «لغة دولية»، وهي لغة وضعها إليعازر لودفيغ زامنهوف عام 1887، وكان الهدف أن تصبح اللغة الثانية لكل إنسان في العالم إلى جانب لغته الأم). آمنوا إيمانا راسخا بأن لغة دولية واحدة قادرة على إزالة الحواجز، وربط الشعوب بعضها ببعض ومنع الحروب. انتموا إلى حركة «الحياة النقية»، وكانوا نباتيين ملتزمين، يمتنعون عن الكحول، ويدعون إلى سلمية راديكالية مناهضة للعسكرة، وينشطون في أطر اشتراكية يلقون فيها الخطب ويغنون ويجمعون الأموال من أجل عالم أكثر عدلا وأخلاقا.
استعدوا للرحلة: تدربوا على المصارعة والبقاء في الظروف القاسية وغير ذلك. فالسلمية مبدأ نبيل، لكنهم كانوا أيضا عمليين واستعدوا لأسوأ الاحتمالات. وهكذا انطلقوا سيرا على الأقدام في صيف عام 1911. وأطلقوا على أنفسهم اسم Wereldwandelaars، أي «جوالو العالم». اجتازت رحلتهم الطويلة والشاقة وسط أوروبا وجبال البلقان، ثم واصلوا إلى رومانيا، ومنها أبحروا إلى إسطنبول. ساروا في مصر، وجابوا السودان وتوغلوا في سوريا. ساروا في جزء من الطريق مرتدين الصنادل، وفي جزء آخر حفاة، وعلى ظهورهم حقائب ثقيلة وفي أيديهم كاميرا ثقيلة ذات ألواح زجاجية. وكسبوا قوتهم بأسلوب مبتكر: طبعوا صورهم على هيئة بطاقات بريدية، وكتبوا على ظهرها أفكارهم بلغات المناطق التي مروا بها، وباعوها في المقاهي. كما أرسلوا مقالات صحفية وألقوا محاضرات أمام جمهور محلي. وكما كتب فرانتس بنفسه: «نحن طيور غريبة: لا مال لدينا في الصباح، وفي المساء نعود سادة أنفسنا».
أمضت المجموعة نحو أسبوع في دمشق، وفي أواخر مارس 1913 انطلقت سيرا على الأقدام باتجاه الجنوب الغربي. ساروا نحو بانياس، ومشوا ثلاثة أيام متتالية تحت أمطار غزيرة أغرقت مجرى نهر الأردن. وفي 2 أبريل 1913 دخلوا مدينة صفد المقدسة، وكانت آنذاك مدينة فقيرة وبائسة. واصلوا من صفد إلى الناصرة وجنين ونابلس، ووصلوا إلى القدس في 10 أبريل، وهناك بدأت طرقهم تفترق. وجد خرارد عملا في ملجأ محلي للأيتام (ثم سافر مع ماري إلى بيروت، حيث تزوجا، وعادا إلى أمستردام عام 1914).
من القدس إلى سفوح يهودا
اتجه أبراهام موسل وفرانتس نحو سفوح يهودا والمستوطنات اليهودية. قطعا نحو ستين كيلومترا سيرا على الأقدام وسط تضاريس قاسية، لافحة بالشمس ومكشوفة. وصف موسل الرحلة في مذكراته قائلا: «بلاد قاحلة قليلة السكان، وطرقها وعرة مرصوفة بالحجارة التي تبلي نعال الأحذية... مشهد قاحل وكئيب... جبال صخرية ومساحات شاسعة لا ظل فيها». لكنهما حين نزلا من الجبال وصلا إلى رحوفوت ونس تسيونا، ذُهلا بالبيوت البيضاء المطلية وبالنظافة التي بدت واضحة بالمقارنة مع قرى الطين المجاورة. عاشا هنا في البلاد خمسة أشهر عاملين زراعيين بكل معنى الكلمة. كانا يستيقظان في الرابعة والنصف فجرا، ويعملان تحت حر لاهب حتى غروب الشمس، ولا يقي رأسيهما ورقبتيهما سوى كوفية عريضة. وفي المساء كانا ينهاران بأيد دامية وظهر موجوع فوق أكياس القش تحت سقيفة خشبية واهية، جائعين ومتعبين حتى النخاع. عاشا على غذاء أساسي شحيح: الخبز والبصل والزيتون والبرتقال. وجدا هنا في البلاد مجموعة تجمعها أيديولوجيا، وإن اختلفت قيمها عن قيمهما، فقد شاركتهما الحماسة ذاتها؛ وأسرت روحيهما روح الرواد. وجدا بين شبان الهجرة الثانية حماسة لم يريا لها مثيلا من قبل. أُعجب فرانتس وموسل بأن العمال، إلى جانب العمل الشاق، أقاموا مكتبات للإعارة ونوادي رياضية ومطابخ تعاونية (وشاركا بنفسيهما في إقامة مطبخ تعاوني في نس تسيونا)، وبأنهم كانوا يجدون وقتا للرقص حتى منتصف الليل، رغم تعب نهاية كل يوم.
تنقل موسل إلى مزرعة بن شمن، ومنها إلى منطقة بحيرة طبريا ودغانيا، ووقع في حب براعم تل أبيب. لكن في صيف 1914، حين انتشرت في الجو رائحة بارود الحرب العالمية الأولى، أدرك موسل أن عليه الرحيل. وقبل أن يفترقا في وادي حنين، نظر فرانتس إلى صديقه واعترف بمرارة شاعرية: «العالم قبيح ومبتذل، وإذا أراد المرء أن يرى شيئا جميلا في الحياة وألا يختنق في الوحل الروحي، فمن الأفضل له أن يتظاهر بالعمى من حين إلى آخر». أجابه موسل بمحبة واقعية: «تفكيرك ومشاعرك أرق من أن يحتملهما هذا العالم». عاد موسل إلى هولندا (وسيلقى حتفه المأساوي في أوشفيتز خلال الحرب العالمية الثانية).
خطط فرانتس لمواصلة السير إلى إسبانيا وتونس، لكن جسده خذله. أقعدته نوبة حمى شديدة في فراشه. ذهب بحثا عن العلاج والراحة في بئر يعقوب، وهي مستوطنة صغيرة، في بيت عائلة يتسخر، التي استقبلته بحفاوة، فوجد فيها المأوى والعمل، وهناك أيضا وقع في حب رفقة يتسخر ابنتها بجنون. كانت رفقة شابة آسرة، رقيقة ومنطوية، فسقط فرانتس صريعا لسحرها. اعتادا في المساء أن يتمشيا معا في دروب المستوطنة، ويغنيا أغاني بالروسية والعبرية، وكان فرانتس ممزقا بين الإجلال وعاصفة الرغبة: «كم هي باردة، ومع ذلك تتلألأ في عينيها رغبة لم أشعر بها من قبل، وما أعذب لمسة يدها». ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى. فرض الأتراك، الذين كانوا يحكمون البلاد آنذاك، التجنيد الإجباري. كره فرانتس، بوصفه سلميا، الحرب والقمع العثماني. وحث العمال على ألا يتجنّسوا بالجنسية العثمانية وألا يمدوا يد العون لآلة الحرب، وقرر في أواخر عام 1914 مغادرة البلاد والعودة إلى هولندا. فارق عائلة يتسخر وقلبه مكسور إلى شظايا: «بدا لي أنني أهرب من المعركة جبانا وضيع النفس، إذ أترك الأرواح الطاهرة، ولا سيما الروح العزيزة علي إلى ما لا نهاية».
في ميناء يافا نزلت به الصاعقة: فقد منع أمر عسكري عاجل الرعايا الأجانب من مغادرة أراضي الإمبراطورية. ومن الشاطئ رأى السفينة تبحر من دونه: «سمعت صفارة إبحار السفينة، ونظرت إليها وعضضت شفتي حتى نزفتا. سخرت مني السفينة وتركتني». حزن من جهة لأنه لم يستطع الرحيل، لكنه من جهة أخرى كان مضطربا وسعيدا في أعماق قلبه. سار عائدا إلى بئر يعقوب. أرخى الليل سدوله على المستوطنة، وكان قلبه يخفق كالمطرقة وهو يقف في ظل شجرة قرب بيت عائلة يتسخر: «وها هي رفقة تغني أغنية روسية، ملأى بالشوق، ملأى بالرغبة. من سيكون المحظوظ الذي يقبل هاتين الشفتين؟ هيا، يقول لي صوت في داخلي... أنا سعيد».
بئر يعقوب وريفكا يتسكر
هناك في بئر يعقوب قرر تعلم العبرية، وكانت اللغة الرابعة عشرة التي يتقنها. حارب غزو الجراد الرهيب عام 1915 الذي دمر محاصيل البلاد، وصارع الملاريا والأوبئة، وكتب مذكرات مضطربة. وفي رسالة لم يرسلها قط إلى محبوبته جان في هولندا، كتب عن رفقة: «إنها تشبه رفقة التوراتية!... لا يمكن فهم سبب اضطهاد شعب بهذا القدر من الحضارة».
لكن سعادته مع رفقة لم تدم طويلا. دخل إلى الصورة الكاتب والمفكر تسفي شاتس، أحد أبناء مزرعة مجدال وأحد واضعي أسس «الجماعة الحميمية». أسر شاتس قلب رفقة. راقب فرانتس بحزن صامت مغازلاتهما تحت شجرة التين العملاقة في مجدال. وحين قال أحد الأصدقاء ساخرا بالروسية إن فرانتس «غوي»، انغرست الكلمة في قلبه كالحرق: «أأنا غريب بينكم يا أصدقائي؟ أتلقون علي ذنبا لم أرتكبه؟ كم يؤلمني ذلك!». تزوج شاتس ورفقة عام 1917. تنحى فرانتس جانبا بنبل مؤلم، لكنه ظل يكن الحب لرفقة حتى يومه الأخير، واستمر في كتابة رسائل مؤثرة إليها حتى بعد أن اغتيل شاتس مع يوسف حاييم برينر في أحداث عام 1921.
ملأت تسيله روزشانسكي الفراغ في قلبه، وقد التقاها فرانتس في مجدال. كانت تسيله شابة حازمة في الحادية والعشرين من عمرها، من المطلة، وشقيقة يهوديت هوروفيتس (إحدى مؤسسات كفار جلعادي). ترددت تسيله في البداية في الزواج من رجل غير يهودي. حتى إن فرانتس المجروح ابتعد إلى بيروت، لكن الشوق غلبهما، وربط الاثنان مصيريهما معا. في تلك الأيام من 1919-1920، كانت الجليل الأعلى منطقة حدودية جامحة، بلا سيادة، تنزف بين الانتداب البريطاني والانتداب الفرنسي. شهدت المنطقة واحدا من أكثر التحولات درامية وإثارة في شخصية فرانتس فان دير هورن. فقد وجد النباتي الرقيق، الذي يكره الحروب وينفر من كل إكراه عنيف، نفسه منجرفا إلى صراع من أجل البقاء. وكان قد أعجب برجال «الحارس» من قبل، وعلى رأسهم ألكسندر زايد، الذي أصبح أعز أصدقائه. في 1 مارس 1920، حين بدأ الهجوم الحاسم على باحة تل حاي، لم يتردد فرانتس، بل اتجه شمالا إلى قلب الجحيم للدفاع عن المكان كتفا بكتف مع يوسف ترومبلدور ورفاقه. في رسالة طويلة مرتجفة أرسلها إلى صديقه موسل بعد ذلك، كشف فرانتس عن الانكسار النفسي الهائل الذي مر به: «هناك صرت رجلا حقيقيا، في الجليل الأعلى البعيد، فوق الصخور القاسية، حاسر الرأس، حافي القدمين، وليس علي سوى قميص داخلي ممزق وسروال متسخ... من المؤسف أنك لم تر عيني، أو بالأحرى عيني الواحدة. إذ نغمض إحداهما ونصوب بالأخرى إلى البطن والرأس وبطن حصان! تشعر بالصدمة، وبصوت الانفجار، ثم تعيد تلقيم سلاح القتل بسرعة ورباطة جأش. وانظروا، ها هو رجل يهوي، وحصان يتعثر! وهذا يمنحك الرضا. يخطر ببالك رفاقك الموتى والجرحى الملطخون بالدماء في لمح البصر، فتواصل إطلاق النار وأنت راض... المحنة تكسر القوانين: النباتي حمل البندقية، وقتل الناس، بل وفكر أيضا في الانتقام لأنهم دمروا مكاننا الوادع».
قاتل بضراوة، ونجا من الانسحاب الليلي الشاق تحت المطر الغزير من تل حاي المشتعلة إلى كفار جلعادي والمطلة، وواجه الواقع الجديد. تحطمت السلمية النظرية على صخور الجليل. أدرك فرانتس أنه من دون قوة دفاعية حازمة، لن ينهض حلم الاستيطان.
تل حي وتحول فرانتس
بعد توقف القتال والعودة إلى مستوطنات الجليل، أصبح فرانتس رائدا زراعيا مجددا. وبجوار ألكسندر زايد، جفف المستنقعات في كفار جلعادي، وقطع الحجارة، وحفر خزانات للمياه، وأنشأ مشتلًا ضخما زرع فيه عشرات الآلاف من شتلات الكينا لتجفيف المستنقعات. كان فرانتس يتمتع بحدس زراعي نادر. وأدرك، خلافا لرفاقه، أن أرض الجليل ملائمة للبساتين، لا «للحنطة والعلف وحدهما» كما زعم رفاقه. واقترح أن يكتبوا إلى البارون روتشيلد ويطلبوا المساعدة. نظر إليه رفاقه باستخفاف: «من أنت حتى يجيبك البارون؟». لم يأبه فرانتس، وبادر إلى مراسلة البارون إدموند دي روتشيلد في باريس مباشرة، وعرض عليه خطة مفصلة لإنشاء بستان تجريبي. وبعد مدة وصلت إلى الجليل قافلة جمال مهيبة تحمل مئات الشتلات الممتازة من فرنسا عبر موانئ لبنان. وهكذا أنشأ فرانتس «الحديقة الفرنسية» الشهيرة في كفار جلعادي، وهي بستان فاخر تأقلمت فيه لأول مرة في إسرائيل أشجار الفاكهة المتساقطة الأوراق: أصناف ممتازة من التفاح والكمثرى والبرقوق والدراق والكرز. وهو الذي مهد الطريق لازدهار زراعة البساتين في إصبع الجليل.
ولم تتوقف مساهمته عند هذا الحد. ففي عام 1923 سافر إلى هولندا نيابة عن المزرعة، واختار بنفسه أبقارا ممتازة من إقليم خرونينغن لتحسين قطاع تربية الأبقار في البلاد. وفي الرحلة نفسها أحضر معه درنات أزهار الداليا، وكان أول من زرع هذه الزهرة ورعاها في أرض إسرائيل.
سحر فرانتس الجمال البري لشلال التنور في نهر عيون القريب من المطلة. وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي أسس مع شباب المستوطنة «جمعية من أجل الشلال»، وجند العمال، ونحت بيديه درجات ودربا للوصول إلى الشلال طوله 70 مترا، وأقنع موظفي بيكا بزراعة مئات أشجار الحور في المكان. ويرى باحثو أرض إسرائيل أن هذا المشروع هو البداية التي انطلقت منها «جمعية حماية الطبيعة». ولهذه الأسباب كلها، اعترف مجلس الحفاظ على المواقع بمنزله بيتا يستحق الحفظ، ومنذ سنوات يُستخدم البيت مركزا لخدمات الإسعاف وعيادة تابعة لـ«كلاليت».
لم تلائم الحياة في الجماعة طباعه. فقد اصطدمت نزعته الهولندية إلى الكمال لديه مرارا وتكرارا بروح «الأمور ستسير على ما يرام»، وبالارتجال غير المسؤول وبغياب التخطيط الاقتصادي، وهي أمور ميزت الكيبوتس في بداياته. وفي عام 1924، وبعد رحيل صديقه ألكسندر زايد، غادر فرانتس كفار جلعادي أيضا وانتقل إلى المطلة.

في المطلة، في شارع هاريشونيم رقم 6، بنى بيديه بيتا حجريا جميلا ذا سقف قرميدي أحمر، على طراز أوروبي متقن. كان البيت عامرا دائما بالثقافة والحياة: ضم جهاز غراموفون يعمل بذراع تدوير، وكانت أنغام الموسيقى تنبعث من نوافذه، وكثيرا ما اعتاد شباب المستوطنة التوافد إليه والرقص. وفي الوقت نفسه عُين مستشارا زراعيا وكبير مرشدي شركة بيكا في الجليل، وكان مرشدا يحظى بالتقدير، يعلم أجيالا من المزارعين أسرار التطعيم والغرس والتقليم.
عائلة وهوية وميراث
رُزق فرانتس وتسيله خمسة أطفال، نجا منهم أربعة: توفيت ابنتهما البكر (التي طلب فرانتس أن يسميها جان، على اسم حب صباه) بعد ساعات قليلة من ولادتها. وبعدها وُلد يوناتان، ابنهما البكر، ثم ذهب فرانتس بعد ولادته إلى حاخامات في صفد بنية اعتناق اليهودية، لكنه عدل عن الفكرة في نهاية المطاف؛ فلم يكن بحاجة إلى ختم رسمي ليثبت صلته العميقة بهذه الأرض وسكانها. ثم وُلد تسفي ونيتسا، وبعدهما ابنهما يفدا، الذي وُلد في أغسطس 1929 في خضم الاضطرابات العنيفة في صفد.
لازمه لغز هويته سنوات طويلة. وكانوا يلقبونه طوال حياته في الجليل بابتسامة ومودة «الغوي الهولندي». لكن بعد عقود من وفاته، كشفت حفيدة رفيقيه في الرحلة عن اكتشاف مذهل في سجل السكان في لاهاي: أم فرانتس، ماريا ماغدالينا، وُلدت باسم سارة فان ديلدن، وكانت يهودية عُمّدت للمسيحية. كان فرانتس فان دير هورن، مقاتل تل حاي وابن أرض الجليل، يهوديا بحسب الشريعة اليهودية، من دون أن يعلم ذلك قط. ولعل هذا هو سر الكلمات المؤثرة التي كتبها لوالديه في شبابه عن «لغز حياتي، لغز حبي لأرض إسرائيل».

جلبت أواخر ثلاثينيات القرن الماضي معها ألما كبيرا. ففي يوليو 1938، قتل مهاجمون عرب في الشيخ أبرق صديقه الحميم وأخاه الروحي ألكسندر زايد. غرق فرانتس في حزن عميق وكتب في مذكراته: «لم أنم هذه الليلة أيضا... ولهذا أنهى كوهين العزق». ثم نهض من قلب الألم، ونزل إلى الكرم، وواصل تعليم عمال كفار جلعادي كيفية قطف العنب وتعبئته. كان العمل والأرض والغرس درعا لروحه.
في مايو 1946، وفي يوم ميلاده الخامس والخمسين بالضبط، توقف قلب فرانتس فان دير هورن وهو نائم في بيته بالمطلة. ووري الثرى في مقبرة كفار جلعادي، قبالة جبال حرمون والمناظر التي حولها بيديه من أراض صخرية جرداء إلى بساتين خضراء. وبعد 14 عاما، توفيت زوجته تسيله ودُفنت إلى جانبه.
قبل وفاته ببضع سنوات، كتب فرانتس في رسالة واقعية ومؤثرة إلى صديق صباه موسل كلمات تبدو اليوم كأنها نبوءة واضحة: «لن نقطف نحن ثمار المشروع الصهيوني، وربما لن يقطفها أبناؤنا أيضا، لكن قد تتاح لأبناء أبنائنا فرصة عيش حياة أكثر استقرارا وهدوءا في الدولة اليهودية المستقبلية، التي ستكون بالتأكيد واحدة من أجمل الدول الصغيرة على وجه كوكبنا!».
لا يزال بيته التاريخي في شارع هاريشونيم بالمطلة قائما حتى اليوم. وقد أُعلن موقعا تراثيا يستحق الحفظ، ولا يزال سقفه الأحمر يطل على وادي عيون، ولا يزال صدى قصة «الهولندي الطائر» الذي حط في الجليل يتردد بين أشجار التفاح والكرز، ومياه شلال التنور، وسطور رسائل الحب والمذكرات التي تركها وراءه وقد اصفرّت مع الزمن.





תגובות
עדיין אין תגובות.