كانت فتاة مدللة ميسورة الحال، كان بوسعها أن تعيش حياة هانئة، لكنها اختارت رغم ذلك أن تخاطر بحياتها من أجل أرض إسرائيل.

كانا يُعدّان زوجين لامعين. موشيه مونتيفيوري المعروف وزوجته يهوديت. وربما كان من الخطأ أن تُسمى «زوجته»، والأصح أن يُسمى «زوجها»، لأنها هي التي جلبت إلى زواجهما المال الوفير، وجلبت معه رباطة الجأش والجرأة والشجاعة والحكمة الكبيرة. كانت يهوديت سيدة بريطانية عرفت كيف تتأقلم مع صيف الشرق الأوسط اللاهب، وعرفت كيف تركب الخيل وتمسك بمسدس، والتقت بالملوك وبالبابا، وبصفتها امرأة جلست في الكنيس في قسم الرجال، بل وأدخلت إليه سفر توراة.

صور من القصة: יהודית מונטיפיורי
טחנת הרוח של מונטיפיורי במשכנות שאנניםצילום: Ralf Roletschek, GFDL 1.2, ויקישיתוף

الرحلات إلى أرض إسرائيل

ولدت يهوديت سنة 1784 في واحدة من أغنى العائلات في إنجلترا. ويمكن الاطلاع على سيرة حياتها وحياة زوجها في كتاب من مجلدين صدر في لندن بطبعة محدودة بعنوان «كتاب ذكريات السير موشيه مونتيفيوري وزوجته يهوديت» - «يوميات السير موشيه والليدي مونتيفيوري». كتب الكتاب السيري صديقهما ومستشارهما الدكتور إليعيزر هاليفي، الذي لازمهما نحو أربعين سنة ورافقهما في ثلاث عشرة رحلة مختلفة حول العالم.

يبدأ الفصل الأول من الكتاب بالحديث عن نسب يهوديت الرفيع: «كان في لندن رجل يهودي اسمه ليفي بارينت كوهين (Cohen). كان تاجرا ثريا مولودا في أمستردام، جاء ليقيم في لندن من أجل تجارته، وقد حالفه النجاح في بلده الجديد حتى أصبح من أثرى اليهود في إنجلترا... وتمسك بكل قلبه وروحه بشرائع دينه. كان لين الطبع وطيب القلب، محبًّا للناس، مقرّبًا إياهم إليه... أنجبت له زوجته الأولى، فاني ابنة يوسف ديمانتشليفر من أمستردام، ولدين وابنة، أسسوا أُسرًا بارزة بين اليهود في إنجلترا وهولندا. وبعد وفاة زوجته الأولى في ريعان شبابها، تزوج أختها ليديا، التي أنجبت له ولدين وخمس بنات (وكان أحد الابنين، إسحاق، فيما بعد حمو البارون ماير روتشيلد). تزوجت بناته الخمس من كبار رجال إسرائيل في إنجلترا: الأولى، حانا، تزوجت ن. م. روتشيلد (مؤسس دار روتشيلد في لندن)، والثانية، يهوديت، تزوجت موشيه مونتيفيوري».

صور من القصة: יהודית מונטיפיורי
בית הכנסת של משפחת מונטיפיורי ברמסגייט, אנגליהצילום: pam fray, CC BY-SA 2.0, ויקישיתוף

ووصف يهوديت قائلا: «تميزت منذ طفولتها بالخصال النفيسة، ومن بينها الاعتدال وسكينة القلب. فحين كان جميع أفراد البيت يضطربون ويذعرون خشية مصيبة وشيكة أو عند حلول خوف مفاجئ، كانت يهوديت هادئة مطمئنة، ولم تكن شجاعتها تفارقها... تلقت يهوديت منذ نعومة أظفارها تربية راقية للغاية، وبرعت على وجه الخصوص في تعلم اللغات الأجنبية. وسرعان ما أتقنت التحدث بالفرنسية والألمانية والإيطالية؛ كما اكتسبت معرفة كافية بالعبرية، تمكنها من فهم الصلوات ومعظم فصول التوراة التي تتلى في السبت والأعياد».

في تلك الفترة، كان يُنظر إلى النساء على أنهن عاطفيات وغير قادرات على اتخاذ قرارات مصيرية. وفي ظل تلك النظرة، عُرفت يهوديت بأنها امرأة هادئة وشجاعة وحازمة. كما أن بقاءها عزباء حتى سن التاسعة والعشرين كان أمرا غير مألوف في زمانها، إذ كانت الفتيات يتزوجن في سن 14-16. ويعزو البعض عزوبيتها إلى إعاقة طفيفة في ساقها، فيما يعزوها آخرون إلى استقلال رأيها. وحين بدا أن هذا سيكون مصيرها، جاء موشيه مونتيفيوري من إيطاليا.

على خلاف يهوديت المنتمية إلى الطبقة العليا، كان موشيه من أسرة من الطبقة الوسطى. أنهى دراسته في سن العاشرة، وكان بعيدا عن الدين. ومع ذلك، أكمل أحدهما الآخر، وتزوجا سنة 1812. أثار هذا الزواج ضجة كبيرة آنذاك، إذ كان موشيه من أسرة سفاردية، بينما جاءت يهوديت من أسرة أشكنازية، ولم تكن الزيجات بين الطوائف شائعة في ذلك الوقت، وربما كان هذا بالذات سببا في نجاح زواجهما الكبير. وكتب موشيه في يوم ذكرى زواجهما الثانية والثلاثين: «مر اليوم اثنان وثلاثون عاما منذ اليوم الذي أنعم علي فيه القدير، إله إسرائيل، بفضله العظيم، بأن وهبني يهوديت العزيزة زوجة. ويجب علي أن أشكر الرب على هذه النعمة العظيمة التي كانت مصدر سعادتي في الحياة. فمنذ اليوم الأول لزواجنا وحتى يومنا هذا، وجدت على الدوام أسبابا جديدة تجعلني أحب زوجتي وأجلها أكثر فأكثر».

وكتبت يهوديت عن اقترابه من الدين: «لم أكن أعلم كم سأكون سعيدة حين اكتشفت أن مونتي العزيز يميل إلى التدين». كان الاثنان يتعلمان العبرية كل مساء، وحرصت يهوديت حتى على التحدث بالعبرية في إنجلترا. ومع عشرات الرحلات حول العالم وما جمعاه من تجارب، ازداد زواجهما متانة.

اتخذ موشيه ويهوديت بيتهما في رامسغيت، على شاطئ البحر في جنوب شرق إنجلترا. وقد اشتريا المنزل أساسا بسبب الدفيئة المجاورة له، التي عُدت الأجمل في إنجلترا. حتى الملكة فيكتوريا، حين كانت أميرة وطفلة، كان لديها مفتاح دفيئة مونتيفيوري.

المبادرات والتبرعات في البلاد

كانت الرحلة الأولى إلى أرض إسرائيل في أكتوبر 1827 بمبادرة من يهوديت. جرت الرحلة على ظهور الخيل، إذ لم تكن الطرق صالحة لسير العربات، واستغرقت نحو عشرة أشهر. أقاما في البلاد أسبوعا واحدا تقريبا، وكانت وجهتهما الأخيرة فيها القدس. وعندما وصلا إلى المدينة وجدا الإهمال والقذارة والفقر. ومع ذلك، احتلت القدس مكانة في قلبَي الزوجين مونتيفيوري، وأصبح الاثنان مغرمين بها. وكانت يهوديت، التي كانت عاقرًا، تزور قبر راحيل كثيرا وتتماهى معها. وحرصت على ترميم القبر الذي كان محجا لكثيرين، كما بني قبرها هي على هيئة قبر راحيل. وبعد الرحلة الأولى، اتبع الزوجان نمط حياة يهوديا متدينا، وأخذا معهما في رحلاتهما حول العالم ذابحا شرعيا، فأصبحت رحلتهما الثانية أفضل من الناحية الغذائية.

جرت الزيارة الثانية في صيف سنة 1839 اللاهب، حين اجتاح مرض الكوليرا كل مكان. وانطلق موشيه ويهوديت في الرحلة ومعهما خطة استيطانية تبلورت بتأثير الدكتور إليعيزر هاليفي، سكرتير موشيه، الذي كان قد زار البلاد. وكتبت يهوديت في يوميات هذه الرحلة كلمة «الحجر الصحي» 38 مرة. غادرا لندن في 1 نوفمبر 1838. وعندما وصلا إلى مالطا، التي كانت آنذاك ميناء دوليا مركزيا، سمعا من مسافرين قدموا من إسرائيل أن الكوليرا انتشرت في القدس ويافا وأودت بحياة كثيرين. وأفضت هذه المعلومات إلى نقاش حاد بين يهوديت وموشيه حول ما إذا كان من الصواب أن يواصلا الرحلة معا. أراد موشيه أن يتابع وحده كي لا يعرض يهوديت للخطر، لكنها رفضت ذلك، مستذكرة راعوث التوراتية التي لم تفارق حماتها نعمي.

وبعد أن حصلا في مالطا على شهادة طبية، واصل الزوجان مونتيفيوري رحلتهما شرقا، لكنهما لم يتمكنا من النزول من السفينة عند وصولهما إلى يافا، لأن الميناء أُغلق بسبب الوباء، فاضطرا إلى مواصلة الإبحار شمالا، ووصلَا إلى بيروت سنة 1839. وقبل انطلاقهما جنوبا نحو القدس، اشتريا أربعة خيام لهما وللحاشية التي رافقتهما. وانطلقا في موكب كبير على ظهور الخيل والبغال، ووصلَا إلى صفد في مايو 1839. فوجدا صفد مدمرة. ففي سنة 1837 دُمرت المدينة وقُتل أكثر من 2000 من يهودها جراء زلزال، وفي سنة 1834 انهارت المدينة بعدما ارتكب العرب أعمال شغب فيها.

طلب يهود صفد المال، لكنهم طلبوا أيضا مستقبلا. قدموا إلى مونتيفيوري خطة لشراء أرض يستأجرونها ويزرعونها ويعيشون من غلتها. تحمس مونتيفيوري للخطة، والتقى في الإسكندرية بمحمد علي، حاكم مصر، وبحث معه إمكانية تأجير الأراضي. وكان ذلك أول تفاوض سياسي بشأن استيطان اليهود في أرض إسرائيل. ولم تثمر المفاوضات، لأن المصريين غادروا أرض إسرائيل بعد ذلك بعام.

في هذه الرحلة، لُقبت يهوديت بـ«الجنرال»، لأنها كانت تركب حصانها جالسة على جانبه وتحمل مسدسا. وتبين أوصاف يوميات الرحلة أنهم اكتشفوا جمال البلاد. وكما يحدث اليوم أيضا، استغلوا زيارتهم إلى صفد لزيارة قبور الصالحين: «ذهبنا لرؤية قبر هليل الشيخ. وهذا القبر واحد من أبهج المشاهد التي رأيتها في الأرض المقدسة. إنه مغارة داخل مغارة، وينساب نبع من الماء العذب بين المغارتين. وبالقرب من القبر رأينا أعمدة رخامية جميلة جدا ترتفع من بين أنقاض كنيس قديم. أما حجارة البناء المنحوتة فجميلة وكبيرة جدا». ووصف موشيه المدينة قائلا: «من مجموع المعلومات التي جمعتها، تبين لي أن المناطق المحيطة بصفد مؤهلة للغاية لإقامة مستعمرات عبرية، إذ توجد فيها غابات زيتون عتيقة ضخمة، وكروم، ومراع، وينابيع كثيرة ومياه طيبة؛ وكذلك التين والجوز واللوز والتوت وما إلى ذلك، وحقول زراعية من القمح والشعير والعدس. وباختصار، إنها أرض تدر غلالا وفيرة». وفي الطريق جنوبا من طبريا، أدركا أن البلاد ليست أقل من جنة عدن: «هذه المنطقة كثيرة السكان، وأهلها مزارعون مجتهدون، ولديهم أعداد كبيرة من الخيل والغنم والماشية. كما توجد في هذا المكان أشجار توت ضخمة عتيقة كثيرة جدا. لم أر قط أرضا خصبة وجميلة كهذه، ومن حقنا أن نسمي هذا المكان جنة عدن».

في أحد الأيام، دُعي موشيه مونتيفيوري ليشرف بحضوره على افتتاح كنيس وإدخال سفر توراة، لكنه مرض، فأرسل زوجته يهوديت. وقد فاجأ وصولها الحاضرين، إذ كانت امرأة ستقف الآن أمام خزانة أسفار التوراة. تأثرت يهوديت بهذه اللفتة: «طُلب منا أن نحضر افتتاح الكنيس الجديد مساء هذا اليوم، ليلة حلول عيد الأسابيع. وطلب مني مونتيفيوري العزيز أن أذهب إلى هناك... سررت حين قيل لي أن آتي إلى بيت الرب... أضاء الكنيس بنور ساطع، وزُين بفخامة بأكاليل من الزهور، وأعدوا مقعدا قبالة خزانة أسفار التوراة». وكانت يهوديت تتنقل في أرض إسرائيل في حر يونيو اللاهب. وباستثناء تذمرها من الذباب، فقد سُحرت بها. وفي تلك الفترة أيضا، كان الكاتب مارك توين (مؤلف «توم سوير» و«هاكلبيري فين») يتنقل في البلاد، وقد وصفها، على خلاف يهوديت، بأنها مقفرة ومدمرة.

وفي رحلتهما الثانية أيضا، حرصت يهوديت على زيارة قبر راحيل: «غادرنا جبل الزيتون ببال حزين متجهين إلى الخليل، وبعد ثلاث ساعات وصلنا إلى «قبر راحيل». وحين رأت يهوديت أن القبر متداع وآيل إلى السقوط، أمرت ببناء ضريح جديد فوقه على نفقتها».

قدّر سكان البلاد تبرعات يهوديت وموشيه مونتيفيوري، ونشرت صحيفة «هاماغيد» الخبر التالي: «أنشد للسير موشيه مونتيفيوري وزوجته، فقد بذلتما ثروة لا تنفد، وزرعتما بذور الصدقة، فستأكلان من ثمر الشجرة التي غرستماها هنا في الحياة. وحتى إن شاخت هذه الشجرة، فستزهر من جديد بفضل غيث العطاء. هنيئا لك يا موشيه وليهوديت، المرأة الفاضلة، وهنيئا لكما يا طالبي الخير والإحسان والحق ليل نهار. ستثمر غراسكما ككرمة مثمرة، وستحل البركات السماوية على رأسك يا يهوديت المتوجة، من خيرات السماء وندى النفس الطاهرة، وسيبارك الرب موشيه كالشمس. وحين تطول ظلالها، ستنشر هي النور والشفاء في الكنيس».

في سنة 1846 صدر في إنجلترا أول كتاب طبخ يهودي، بعنوان «الدليل اليهودي: معلومات مفيدة للطهي اليهودي والعصري». اسم المؤلف غير معروف، لكن الكتاب يذكر أن المؤلفة سيدة، ولم تكن في إنجلترا في تلك الفترة سوى يهوديات قليلات يحملن لقب «ليدي»... وإلى جانب كونه كتاب طبخ يهوديا يتيح إعداد طعام جيد ولذيذ مع الالتزام بشروط الكشروت الصارمة، كان دليلا لربة المنزل اليهودية من الطبقة الوسطى، التي لديها خادمة واحدة على الأقل تساعدها في إدارة المطبخ والمنزل والعناية الشخصية. ووفقا لما ورد فيه، تضمن من تتبع تعليماته سعادة أسرية وتفاعلات اجتماعية ناجحة. ووردت في الكتاب وصفة واحدة كشفت هوية كاتبته، وهي «حساء من أرض إسرائيل من فلسطين»، وكانت يهوديت السيدة اليهودية البريطانية الوحيدة التي زارت البلاد في تلك الفترة (وللمهتمين، أرفقت وصفة حساء من أرض إسرائيل من فلسطين).

السنوات الأخيرة ليهوديت

زار الزوجان مونتيفيوري أرض إسرائيل سبع مرات. وكانت رحلات مكلفة وخطيرة، لكنهما اختارا القيام بها رغم المخاطر التي انطوت عليها، لأن روحا رومانسية ومشيحانية كانت تخفق في قلب الزوجين. وكانت الخطط التي رسماها معا لمستقبل البلاد بعيدة المدى. أرادا أن يجعلا البلاد قبلة للمهاجرين من أنحاء العالم كافة، ليُحيوا أرضها القاحلة ويكتبوا فصلا جديدا في تاريخ الشعب والأرض.

في الوقت الذي كان فيه التجمع اليهودي في القدس يعيش على أموال التوزيعة، كان هناك من يفكر على نحو مختلف. كان الحاخام دافيد بن شمعون، «تسوف دڤاش»، قائد الطائفة المغربية في زمانه، أول من أقام حيا يهوديا خارج الأسوار، هو حي «محانيه إسرائيل». ومثل الحاخام دافيد، كان موشيه ويهوديت مونتيفيوري من «الأوائل». فقد أحضرا إلى القدس أول صيدلي، يهوشع فولفنسون، ليزود الجماعة بالأدوية، وأقاما فيها مؤسسة تعليمية. وأسسا حيا خارج الأسوار، وأقاما فيه مطحنة حبوب شغلها زئيف فولفنسون (باني كنيس «الخراب»)، قريب يهوشع فولفنسون الصيدلي. وشجعا الإنتاج والعمل والزراعة والصناعة، وكل ما من شأنه أن يمنع الاعتماد على أموال التوزيعة.

المغرب على شفا الاستقلال

تُروى الأيام الأخيرة من حياة يهوديت في صيف 1862 بألم بالغ: «احتفل مونتيفيوري وزوجته بذكرى زواجهما الفضية، وربط هذا الحدث، بالطبع، بالاحتفال بإتمام كتابة سفر توراة. وعلى الرغم من وهن يهوديت، نهضت من فراشها لتشهد كتابة الحروف الأخيرة في سفر التوراة. وفي شهر سبتمبر اشتد مرض يهوديت. وأقيمت الصلوات من أجلها في جميع الكنس، وأكثر مونتيفيوري من التصدق على الفقراء. «لقد تحملت آلامها بصبر كأنها ملاك الرب»، كتب مونتيفيوري في مذكراته. وعاد موشيه من الكنيس عشية رأس السنة، فتوجه إلى يهوديت المريضة ليباركها، فوضعت هي أيضا يديها على رأسه وباركته، ثم أرسلته إلى غرفة الطعام ليبارك على الخمر. لكن ما إن أوشك على إتمام «القدوش» حتى جاء الطبيب (الذي كان يمكث عند المريضة ليلا ونهارا) ليبلغه أن النهاية قد حانت. أسرع مونتيفيوري وجميع الحاضرين إلى غرفة المريضة ليتلوا معها «الاعتراف»، وصعدت روح يهوديت الطاهرة والكريمة والتقية إلى السماء».

حين توفيت يهوديت عن 78 عاما ووريت الثرى في رامسغيت، أنزلت جميع السفن الراسية في الميناء أعلامها إلى نصف السارية. وقد تناولت الصحافة في أوروبا وأرض إسرائيل خبر وفاتها وجنازتها: «في يوم الأحد من هذا الأسبوع أُغلقت جميع المتاجر. وخيم الحزن على جميع سكان المدينة [المقصود لندن]، وحتى في دور عبادة المسيحيين ذكر القساوسة في عظاتهم اسم العزيزة التي تستحق الثناء والبركة. من يستطيع أن يحيط بخصالها النفيسة ويستوعبها؟».

نفذ موشيه مونتيفيوري وصية زوجته الراحلة، كما ورد في الكتاب: «وفاء لرغبة المتوفاة، أرسل مونتيفيوري أكثر من ثلاثمئة وستين هدية وعطية إلى أقاربها ومعارفها، وإلى الكنس والمدارس ومؤسسات خيرية مختلفة في إنجلترا وخارجها. كما دعا شعراء عبريين إلى كتابة نقش على شاهد قبرها. وبعد خمسة أشهر من وفاتها، أقام زوجها فوق قبرها ضريحًا كبيرًا تعلوه قبة، على هيئة القبة القائمة فوق قبر راحيل في طريق بيت لحم».

أدى موت يهوديت إلى إصابة موشيه بالاكتئاب، وقال: «أحاول طوال الوقت أن أفكر فيما كانت ستقول لي أن أفعل». واصل موشيه العمل مستمدا من يهوديت وقوتها. وأقام تخليدا لذكراها بيت دراسة وصندوق مساعدة للفتيات والفتيان في القدس، هو «صندوق تذكار موشيه ويهوديت». ومع مرور الأيام، أدرك موشيه أن بناء البلاد وتقديم الصدقات سيجلبان السكينة إلى روح حبيبته الراحلة، وعلى الرغم من اكتئابه واصل رحلاته إلى أرض إسرائيل.

توفي موشيه سنة 1885 في مدينة رامسغيت التي كان يقيم فيها، ودُفن هناك. وأقيم حي مونتيفيوري في أحد البساتين التي زرعها يهوديت وموشيه في تل أبيب، وفي قلبه جادة يهوديت.

صور من القصة: יהודית מונטיפיורי
המאוזוליאום של סר משה וליידי יהודית מונטיפיורי ברמסגייטצילום: pam fray, CC BY-SA 2.0, ויקישיתוף